أكد رئيس المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرّف، التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، الدكتور عباس القريشي، أن صون الحقيقة التاريخية ومواجهة محاولات الإنكار أو تزييف الوقائع يمثلان أساساً لتحقيق العدالة وحفظ كرامة الضحايا، مشدداً على أن المجتمعات التي تواجه ماضيها بشفافية ومسؤولية تكون أكثر قدرة على بناء مستقبل يستند إلى سيادة القانون والسلم المجتمعي.
جاء ذلك خلال الزيارة الميدانية التي أجراها القريشي إلى المقبرة الجماعية المكتشفة في 3 تشرين الثاني 2010 م بمنطقة الصقلاوية بمحافظة الأنبار، التي تم المباشرة بإعادة أعمال الحفر والتنقيب مؤخراً، لغرض الاطلاع على أعمال التنقيب واستخراج الرفات التي تنفذها الجهات المختصة، ومتابعة الإجراءات العلمية والقانونية المعتمدة في توثيق الموقع والكشف عن ملابساته.
وأوضح القريشي أن الزيارة شملت مواقع المقابر الجماعية المكتشفة في مناطق الثرثار، التي تؤكد المعطيات والأدلة أنها تضم رفات ضحايا تعرضوا لعمليات تصفية جماعية بعد تقييد أيديهم وتعصيب أعينهم، نفذها نظام البعث في العراق إبان حقبة ثمانينيات القرن الماضي ، مبيناً أن هذه المواقع تمثل جزءاً من عشرات المقابر الجماعية المنتشرة في نفس المنطقة علاوة على المقابر الأخرى المنتشرة في مناطق الثرثار وعكازات بمحافظة الأنبار، التي يُعتقد أنها تضم آلاف الضحايا من أبناء محافظات الوسط والجنوب.
وأضاف القريشي أن المقابر الجماعية المكتشفة تظهر حجم الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق العراقيين العُزل خلال العقود الماضية، من قبل أزلام نظام البعث، لافتاً إلى أن العديد منها كُشف بناءً على إفادات شهود عيان و اعترافات مدانين، ومتابعات ميدانية متواصلة، فيما لا تزال أعمال البحث والتنقيب مستمرة للكشف عن المزيد من المواقع المرتبطة بهذه الجرائم.
وأشار الدكتور عباس القريشي إلى أن فرق التحقيق والتنقيب عثرت على مقتنيات شخصية متنوعة داخل المقابر، من بينها عملات نقدية قديمة، وأدوات شخصية، وأدوية، ووثائق وأوراق تعود لبعض الضحايا، فضلاً عن نسخ من الأدعية والرسائل الشخصية، وهي قرائن توثيقية مهمة تسهم في تحديد هوية الضحايا والظروف المرتبطة بجرائم قتلهم.
وبيّن القريشي أن المقابر الجماعية تُعدّ وفق المعايير القانونية الدولية من أبرز الأدلة المرتبطة بجرائم ضد الإنسانية، لما تكشفه من أنماط ممنهجة للقتل الجماعي والتغييب القسري وحرمان عائلات الضحايا من معرفة مصير أبنائها لسنوات طويلة.
ودعى رئيس المركز العراقي إلى مواصلة دعم الجهود الوطنية والمؤسساتية الرامية إلى فتح المقابر الجماعية وتوثيقها وفق المعايير الدولية المعتمدة، وتعزيز أعمال الفحص الجنائي والأرشفة والتوثيق،بالإضافة إلى توفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي لعائلات وذوي الضحايا، والعمل على ضمان عدم إفلات الجناة من المساءلة والملاحقة القانونية، بما يسهم في ترسيخ العدالة وحماية الذاكرة الوطنية العراقية من النسيان أو التزييف.


