أصدر المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، موسوعة علمية توثيقية كبرى حملت عنوان (الموسوعة الوثائقية للمقابر الجماعية المفتوحة في العراق 1963–2003)، جاءت في (29) مجلداً، لتشكّل أحد أوسع المشاريع البحثية وأشملها بتوثيق ملف المقابر الجماعية وجرائم الإبادة والانتهاكات الجسيمة التي طالت العراقيين خلال العقود الماضية.
وجرى الإعلان عن الموسوعة ضمن فعاليات مهرجان فتوى الدفاع الكفائي الثقافي العاشر، في إطار الجهود التي يبذلها المركز لتوثيق الجرائم المرتكبة بحق أبناء الشعب العراقي، وحفظ الأدلة والوقائع المرتبطة بأحد أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً في التاريخ العراقي المعاصر.
وأكد رئيس المركز الدكتور عباس القريشي أن هذه الموسوعة تمثل مشروعاً وطنياً رائداً يسلّط الضوء على ملف المقابر الجماعية التي تم اكتشافها وفتحها في العراق، وما ارتبط بها من جرائم قتل جماعي وإخفاء قسري وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، مشيراً إلى أن إنجاز هذا العمل استغرق سنوات من البحث الميداني وجمع الوثائق والشهادات والبيانات الرسمية ذات الصلة.
وأوضح القريشي أن الموسوعة تمثل مرجعاً توثيقياً عالي القيمة القانونية، وتقدّم سجلاً تاريخياً موثقاً للانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت بحق أبناء الشعب العراقي خلال حقبة حكم نظام البعث، ولا سيما بحق المكونات الشيعية والكردية، بما يجعلها أداة مهمة في دعم مسارات العدالة الانتقالية وحفظ الذاكرة الوطنية ومنع طمس الحقائق.
وبيّن أن إعداد الموسوعة اعتمد على مصادر متعددة شملت الوثائق الحكومية، وتقارير الجهات المختصة، وملفات المؤسسات المعنية بالعدالة الانتقالية، إضافة إلى شهادات الناجين وذوي الضحايا، بهدف إنتاج مادة علمية رصينة تستند إلى منهجية أكاديمية دقيقة في التوثيق والتحقق.
وأضاف أن الموسوعة توثق مواقع المقابر الجماعية المفتوحة في مختلف المحافظات العراقية، وتستعرض ظروف الجرائم المرتبطة بالإعدام الجماعي والتغييب القسري التي طالت آلاف العراقيين من مختلف المكونات، مؤكداً أن هذا الجهد يسهم في ترسيخ الحقيقة التاريخية وصون حقوق الضحايا وكشف الوقائع أمام الأجيال القادمة.
وأشار القريشي إلى أن ملف المقابر الجماعية لا يُعد قضية تاريخية فحسب، بل يمثل دليلاً مادياً وقانونياً على حجم الجرائم المرتكبة، وأحد المرتكزات الأساسية في تعزيز مسارات العدالة الانتقالية وملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية ومنع الإفلات من العقاب.
وشارك في إعداد وتأليف الموسوعة فريق بحثي متخصص ضمّ كلاً من الدكتور عباس القريشي، والدكتور رائد عبيس، والدكتور قيس ناصر راهي، والدكتور ثائر غالب الخيكاني، والدكتور حسين علي عطوان، الذين عملوا على إنجاز هذا المشروع وفق أسس علمية ومهنية دقيقة ليكون مرجعاً توثيقياً معتمداً للباحثين والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية داخل العراق وخارجه.
وتُعدّ الموسوعة الوثائقية للمقابر الجماعية المفتوحة في العراق (1963–2003) واحدة من أبرز المنجزات العلمية للمركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، لما تمثله من إسهام نوعي في حفظ الذاكرة الوطنية العراقية، وتخليد معاناة الضحايا، وتوثيق واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق في تاريخه الحديث.

