د.محمد جبار زغير
مقدمة:
بمناسبة اليوم الدولي للتفكر في الإبادة الجماعية التي وقعت في سريبرينيتسا عام 1995 وإحياء ذكراها، الذي يوافق 11 تموز/يوليو من كل عام، واستذكاراً لضحايا جرائم الإبادة الجماعية وتعزيزاً للوعي بأهمية منع تكرارها، تأتي هذه المقالة لتسليط الضوء على جريمة الإبادة الجماعية بوصفها من أخطر الجرائم الدولية لما تمثله من انتهاك جسيم لحق الإنسان في الحياة واستهدافٍ متعمد لجماعات محمية بموجب القانون الدولي، ونستعرض هنا حالتين بارزتين هما (إبادة سريبرينيتسا) عام 1995، التي اعترفت بها المحاكم الدولية بوصفها إبادة جماعية، و(مجزرة سبايكر) عام 2014، التي خلص تقرير فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد) إلى وجود أسس معقولة للاعتقاد بأنها ارتُكبت بنية الإبادة الجماعية، مع بيان الوقائع والتوصيف القانوني لكل منهما.
سريبرينيتسا
في عام 1995، ارتكب مذبحة سريبرينيتسا في سريبرينيتسا، وهي مدينة تقع في شرق البوسنة والهرسك قرب الحدود مع صربيا، ونفّذ الجريمة جيش جمهورية صرب البوسنة بقيادة (راتكو ملاديتش)، وبإشراف القيادة السياسية ممثلة بـ (رادوفان كاراديتش)، بينما ارتبط اسم (سلوبودان ميلوشيفيتش) بالنزاع، وقد صُنّفت مذبحة سريبرينيتسا قانونيًا على أنها إبادة جماعية، وراح ضحيتها نحو (8,372) من البوشناق المسلمين.
أقرت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، ومحكمة العدل الدولية، بأن ما جرى في (سريبرينيتسا ) عام 1995، في سياق النزاع الأوسع في البوسنة والهرسك (1992-1995)، يُعد إبادة جماعية.

ونُقل قسرًا نحو (30،000) من النساء والأطفال والمسنين خارج سريبرينيتسا، وفُصل الرجال والفتيان عن عائلاتهم، واقتيدوا إلى أماكن متفرقة حيث احتُجزوا وأُعدموا بأسلوب منظَّم ومنهجي، ثم نُبشت جثث كثير من الضحايا ونُقلت لإعادة دفنها في مقابر جماعية ثانوية وثالثية، محاولةً لطمس معالم الجريمة.
وتظلّ إبادة (سريبرينيتسا)، التي تُعد من أفظع الجرائم التي ارتُكبت على التراب الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، إنذاراً دائماً بما يمكن أن يقع حينما يعجز العالم عن التحرك إزاء الفظائع، وقد قال الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة (كوفي عنان) في تأملاته: (إن مأساة سريبرينيتسا ستظل تلاحق تاريخ الأمم المتحدة إلى الأبد (…) ولن نستطيع أن نمحو هذه المأساة، ولكن من الأهمية البالغة أن نستخلص منها العِبر، وأن نُحسن تطبيقها في المستقبل).
وفي عام 2024، وبعد مرور تسعة وعشرين عامًا على الإبادة الجماعية، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/RES/78/282، الذي قضت فيه بتخصيص يوم 11 تموز/يوليو من كل عام يومًا دوليًا للتفكر والتأبين لإبادة سريبرينيتسا سنة 1995، وبهذا القرار، أضحت الجرائم المرتكبة في سريبرينيتسا مناسبةً لإحياء الذكرى على الصعيد العالمي.
لقد أسهمت إبادة (سريبرينيتسا) عام 1995، إلى جانب (إبادة التوتسي) في رواندا عام 1994، في صوغ معالم العدالة الجنائية الدولية، وترسيخ العزم العالمي على منع الإبادة الجماعية، ولا تزال الجهود الرامية إلى ملاحقة الجناة، والبحث عن المفقودين، وتحديد هوية الضحايا، وتوثيق شهاداتهم، ضروريةً لصون العدالة، وردّ الكرامة إلى جميع الضحايا وعائلاتهم، وصونًا للوعد القائل: (لن يتكرر ذلك أبدًا).
سبايكر:
تُعرف أيضاً بـ (مجزرة سبايكر)، وهي جريمة إبادة جماعية نفذها تنظيم داعش الإرهابي في شهر حزيران/يونيو عام 2014، حينها، اقتحم عناصر التنظيم الإرهابي، قاعدة سبايكر الجوية، وأسروا نحو (1700) إلى (2000)- مع التأكيد ان العدد وفق احصائية المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف (2157)- طالب ومجند أعزل من كلية القوة الجوية، ثم اقتادوهم إلى مجمّع القصور الرئاسية في تكريت وأعدموهم رمياً بالرصاص وبطرق وحشية، وألقوا بجثث الضحايا في نهر دجلة أو دفنوها في مقابر جماعية.
أقر فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد)، ومن خلال تقرير أعده عن مجزرة (سبايكر)، تحت عنوان:(تقرير معسكر سبايكر: نمط القتل الجماعي ونية الإبادة الجماعية)، في حزيران 2024، وثيقة قانونية ووقائعية بالغة الأهمية.

يستعرض هذا التقرير تحليلاً شاملاً للمجزرة التي ارتكبت في مجمع القصور الرئاسية بمدينة تكريت والمناطق المحيطة بها في حزيران/يونيو 2014، ومن أبرز محاور التقرير والنتائج القانونية:
-
توثيق الإبادة الجماعية: خلص التقرير إلى وجود أسس معقولة للاعتقاد بأن عمليات القتل التي استهدفت زهاء 1700 جندي ومتدرب ومتطوع أعزل تمت في سياق سياسة ممنهجة لتنظيم داعش، وأنها ارتُكبت بـ (نية الإبادة الجماعية) ضد الشيعة في العراق.
-
تصنيف الجرائم: بناءً على الأدلة، تصنف هذه الأعمال قانونياً وفقاً لأحكام القانون الجنائي الدولي بالآتي:
-
جرائم إبادة جماعية.
-
جرائم ضد الإنسانية.
-
جرائم حرب.
-
قاعدة الأدلة: اعتمد التقييم القانوني الذي سُلم رسمياً إلى القضاء العراقي على حزمة واسعة من الأدلة الموثقة، تضمنت اعترافات الجناة، وإفادات الناجين وشهود العيان، والتسجيلات المرئية والصوتية التي وثقت الجريمة وقت وقوعها.
ومن خلال ما تقدم، تؤكد (إبادة سريبرينيتسا) عام 1995، و(مجزرة سبايكر) عام 2014، أن جرائم الإبادة الجماعية تمثل من أخطر الجرائم التي تهدد الإنسانية، وتبرز أهمية العدالة والمساءلة وحفظ الذاكرة لضمان عدم الإفلات من العقاب وإنصاف الضحايا، ولمنع تكرار مثل هذه الجرائم، ينبغي تعزيز برامج التثقيف والتوعية بقيم التسامح والتعايش السلمي وحقوق الإنسان، ونبذ خطاب الكراهية والتطرف، إلى جانب دعم التوثيق والتعليم وإحياء الذكرى بما يعزز الوعي المجتمعي ويحفظ الدروس المستفادة.
مصادر:
-
اليوم الدولي للتفكر في الإبادة الجماعية التي وقعت في سريبرينيتسا في عام 1995 وإحياء ذكراها (A/RES/78/282)، للمزيد ينظر:
https://docs.un.org/ar/A/RES/78/282
-
فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش (يونيتاد)، معسكر سبايكر: نمط القتل الجماعي ونية الإبادة الجماعية، نشر في حزيران / 2024، للمزيد ينظر:
https://iraq.un.org/sites/default/files/2024-06/ARcamp_speicher-pattern_of_mass_killing_and_genocidal_intend_ar.pdf
-
المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، الموسوعة الوثائقية لمجزرة سبايكر، 2022، للمزيد ينظر: