نظّم المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرّف، التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، ندوةً علميةً إلكترونية متخصصة بعنوان: “تقييد الحريات الدينية في حقبة حكم البعث في العراق – الزيارة الأربعينية عام 1977م أنموذجاً”، في إطار مشروعه العلمي والحقوقي الهادف إلى توثيق الانتهاكات التي تعرّض لها العراقيون، وتسليط الضوء على السياسات القمعية التي استهدفت حرياتهم الدينية وممارساتهم الشعائرية.
وأقيمت الندوة مساء الاثنين الموافق 10 آب 2026، عبر منصة “Google Meet”، بمشاركة الباحث الشيخ حيدر جاسم كاظم، التدريسي في مديرية تربية النجف، الذي قدّم ورقة بحثية استعرضت مظاهر تقييد الحريات الدينية وقمع الشعائر الحسينية خلال حقبة نظام البعث، فيما أدار الندوة الأستاذ الدكتور حسين الزيادي، عضو المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرّف، بحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين وممثلي المؤسسات الحكومية والإنسانية ومنظمات المجتمع المدني.
واستعرض الباحث حيدر جاسم في ورقته البحثية مظاهر القمع الذي مارسه نظام البعث بحق زائري الإمام الحسين (عليه السلام) خلال الزيارة الأربعينية عام 1977، مستعرضاً أبرز الأحداث التي رافقت تلك الزيارة، والظروف التي سبقتها، فضلاً عن تداعياتها وما أعقبها من حملات قمعية استهدفت المشاركين في إحياء الشعائر الحسينية.
وبيّن أن تلك الأحداث شكّلت محطةً بارزة في مسار التضييق على الحريات الدينية، موضحاً أن سياسة النظام تجاه الشعائر والمواكب الحسينية مرّت بمراحل متباينة؛ بدأت بمحاولات استمالة هذه المؤسسات والمواكب، قبل أن تتحول تدريجياً إلى سياسة قمع وملاحقة واعتقال وإعدام وأحكام بالسجن، رافقتها انتهاكات واسعة نفذتها أجهزة الدولة بحق المشاركين في إحياء الشعائر.
وأكد الباحث أن الإجراءات القمعية التي اتبعها نظام البعث تجاه ممارسة الشعائر الدينية تمثل انتهاكاً لحق أصيل من حقوق الإنسان، لافتاً إلى أن حرية المعتقد وممارسة الشعائر تحظى بالحماية في المواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية، فضلاً عن التشريعات الوطنية.
وأشار إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكد حق الإنسان في حرية الفكر والوجدان والدين، وممارسة الشعائر الدينية بصورة فردية أو جماعية، الأمر الذي يجعل السياسات التي تستهدف هذه الحقوق موضع مساءلة من منظور حقوق الإنسان والقانون الدولي.
وشهدت الندوة نقاشاً علمياً استعرض الأبعاد التاريخية والحقوقية للانتهاكات التي رافقت قمع الشعائر الدينية في تلك الحقبة، وأهمية توثيق هذه الوقائع بالاعتماد على المصادر والشهادات والوثائق، بما يحفظها من الطمس أو التزييف ويتيح للأجيال القادمة فهماً أكثر دقة لتلك المرحلة.
وأكد المشاركون أن توثيق الجرائم والانتهاكات التي تعرّض لها العراقيون لا يمثل مجرد تسجيل لأحداث الماضي، بل يشكل مسؤولية وطنية وأخلاقية تجاه الضحايا وذويهم، وأحد المرتكزات المهمة في دعم العدالة الانتقالية، وترسيخ الوعي التاريخي، ومواجهة محاولات إنكار الجرائم أو تحريف حقيقتها.
وتأتي هذه الندوة ضمن سلسلة الفعاليات والبرامج العلمية التي ينظمها المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرّف، في إطار مشروعه الوطني لتوثيق جرائم نظام البعث والتنظيمات الإرهابية والانتهاكات التي شهدها العراق، وإعداد الدراسات والملفات العلمية والحقوقية التي تسهم في حفظ الذاكرة الوطنية العراقية وصون الحقيقة التاريخية وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، بما يعزز مبدأ عدم تكرار المآسي والانتهاكات مستقبلاً.