أ.د. حسين الزيادي
الجهة المصدرة للوثيقة المرفقة ربطاً هي رئاسة الجمهورية – مديرية الأمن العامة، وهي صادرة بتاريخ 6/7/1996، وهذا التاريخ يصادف تماماً العشرين من شهر صفر 1417 هـ وهو موعد زيارة الأربعين، وعنوان الوثيقة التي تحمل التوصيف الأمني- سري للغاية – عبارة عن توجيه ملزم إلى جميع مديريات ودوائر الأمن؛ إذ نصت الوثيقة على أنه بناءً على زيارة السيد المدير العام المحترم لمديرية أمن محافظة كربلاء بتاريخ 3/7/1996، فقد تم تثبيت ظاهرة السير على الأقدام للزوار الوافدين إلى محافظة كربلاء من المحافظات البعيدة والمجاورة للمحافظة المذكورة، ودراستها، ووضع المقترحات الناجعة للحد منها، ولاسيما التنسيق مع الحزب والأوقاف ورجال الدين والمدارس الدينية لأخذ دورها في تنظيم المواطنين للحد من تلك الظاهرة السلبية، ثم تُختتم الوثيقة بطلب الاطلاع وبيان الآراء والمقترحات بالسرعة الممكنة.
التحليل القانوني للانتهاكات
تشكل الأوامر الواردة في الوثيقة خرقاً سافراً وانتهاكاً جسيماً لمنظومة حقوق الإنسان والتشريعات الدستورية الوطنية النافذة في ذلك الحين، ووفقاً للآتي:
-
المخالفة وفقاً لمبادئ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وتشمل:
– الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، إذ نصت المادة (18) من العهد الدولي على أن لكل إنسان حقاً في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل ذلك حريته في إظهار دينه أو معتقداته بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم بمفرده، أو مع جماعة، وإن التضييق الأمني على الزوار الوافدين إلى كربلاء واعتبار حركة الزوار والممارسات الدينية ظاهرة سلبية تستوجب المعالجة الأمنية والتصدي لها، يعد تقويضاً مباشراً لحرية المعتقد والعبادة.
– الحق في حرية التنقل، إذ نصت المادة (12) من العهد الدولي: إن لكل إنسان حق حرية التنقل واختيار مكان إقامته داخل إقليم الدولة، وتعدّ الإجراءات الرامية إلى رصد وتقييد تنقل المواطنين نحو الأماكن الدينية مساساً صارخاً بهذا الحق.
– الحق في حرية الاجتماع والتجمع السلمي، إذ نصت المادة (21) من العهد الدولي إن تسخير المؤسسات الأمنية لمراقبة حركة الزائرين يعطل الحق في التجمع السلمي ويفرغه من مضمونه الإنساني والحضاري.
المخالفة وفقاً لدستور العراق المؤقت لعام 1970:
-
انتهاك المادة (25) من الدستور العراقي المؤقت لعام 1970 التي نصت صراحةً على أن حرية الأديان، والمعتقدات، وممارسة الشعائر الدينية مكفولة، وبالتالي فإن التعامل مع أداء الشعائر الدينية وحركة الزوار تهديد أمني ومحاولة محاصرتها وتطويقها بإجراءات قمعية يشكل انقلاباً صريحاً على النص الدستوري.
-
انتهاك المادة (26) من الدستور العراقي المؤقت لعام 1970م التي كفلت حرية الرأي والنشر والاجتماع وتأسيس الجمعيات؛ إذ أظهرت الوثيقة سعي السلطة الأمنية لفرض وصاية قسرية على حركة الزائرين واستغلال المؤسسات الدينية والمجتمعية واستخدامها بوصفها أدوات للسيطرة والتحكم بالبشر من حماية حقوقهم وحرياتهم.
الظاهرة السلبية
إن وصف الوثيقة الأمنية لحركة الزوار وأداء الشعائر الدينية بالظاهرة السلبية يظهر بدقة عدم احترام السلطة لشعائر الآخرين ومعتقداتهم، فضلاً عن الطبيعة القمعية للسلطة لملاحقة وتطويق الممارسات العقائدية للمواطنين، ويمكن القول إن هذا الوصف يسهم في قلب الحقائق وتجريم الحقوق الأساسية؛ لأن اعتبار الطقوس الدينية ظاهرة سلبية يمثل تحولاً خطيراً يتم بموجبه تجريم ممارسة حق أساسي وطبيعي كفلته الشرائع السماوية والمواثيق الدولية، وتحويله في التقارير الأمنية إلى مهدد يجب رصده ومعالجته، فضلا عن أن هذا الوصف يعطي الحق للأجهزة الأمنية لمتابعة هذه الشعيرة واعتقال ممارسيها بوصفها ظاهرة سلبية بحسب تعبير السلطة.
