banarlogo

الدور الريادي للمركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف في توثيق الانتهاكات وتعزيز مسار العدالة

مقال الدور الريادي للمركز العراقي2

أ.م.د. رزاق مخور الغراوي

    يمثّل توثيق جرائم التطرّف ركيزةً أساسية في بناء العدالة وصيانة الذاكرة الوطنية، ولا سيما في المجتمعات التي عانت من جرائم التطرف وحروب عنيفة وتحولات عميقة، كما هو الحال في الدولة العراقية، إذ لم تقتصر آثار التطرّف على الخسائر المادية، بل امتدت لتطال بنى الآثار البشرية المباشرة وغير المباشرة، مثل: الاجتماعية والثقافية والقانونية، الأمر الذي أوجد حاجة ملحّة إلى مؤسسات متخصصة تتولى مهمة التوثيق بوصفه مدخلًا لتحقيق العدالة ومنع تكرار الجرائم.
    وفي هذا السياق، يبرز المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرّف بوصفه مؤسسة رائدة تضطلع بدور متكامل يرتكز عملها من خلال متابعة الموقع الإلكتروني للمركز على أربعة محاور رئيسة: محور توثيقي، ومحور معرفي، ومحور تضامني، ومحور مؤسسي، بما يجعله نموذجاً متقدماً في معالجة آثار التطرّف وتعزيز مسار العدالة.
     فعلى مستوى المحور التوثيقي، الذي يمثّل جوهر عمل المركز، اعتمد المركز على منهجيات علمية دقيقة في جمع الأدلة والبيانات المتعلقة بالانتهاكات، وتوثيق الشهادات الحية للضحايا والناجين، وأرشفة المعلومات ضمن قواعد بيانات منظمة، فضلاً عن إصدار موسوعات ووثائق مرجعية تسهم في حفظ الذاكرة الوطنية من الضياع، ولا يقتصر هذا الدور على التوثيق الوصفي، بل يمتد إلى تحليل أنماط الجرائم، بما يتيح فهم طبيعة التنظيمات المتطرّفة وأساليبها، ويجعل من التوثيق أداة فاعلة في دعم الإجراءات القضائية ومكافحة الإفلات من العقاب. ومن أبرز الموسوعات التي أنجزها المركز وأعلن عنها هي: الموسوعة الوثائقية لمجزرة سبايكر، والموسوعة الوثائقية للمقابر الجماعية، وموسوعة المناهج الدراسية لداعش، ومن خلال التواصل مع المركز ذكروا لي وجود العديد من الموسوعات الوثائقية الأخرى قيد الإنجاز، وسيعلن عنها قريبا.
    أما المحور المعرفي، فيسهم المركز في إنتاج معرفة علمية رصينة من خلال إصدار الكتب والبحوث والمقالات المتخصصة التي تتناول ظاهرة التطرّف من زوايا متعددة، سياسية وقانونية واجتماعية، الأمر الذي يساعد في تفكيك الخطابات المتطرّفة، وبناء وعي مجتمعي قائم على الفهم النقدي لهذه الظاهرة، فضلًا عن دعم صناع القرار بمرجعيات تحليلية دقيقة تسهم في صياغة سياسات فعّالة لمواجهتها، ولا يقل هذا الدور أهمية عن الجوانب الأخرى، إذ يشكّل الأساس الفكري الذي تستند إليه جهود المعالجة والوقاية. وفي هذا المجال صدر عن المركز حتى كتابة هذه السطور أكثر من (30) كتاباً، وأكثر من (700) مقال منشور على موقع المركز.
    وفي البعد الإنساني، يتجلى المحور التضامني في عمل المركز من خلال الوقوف إلى جانب الضحايا، ومنحهم مساحة لسرد معاناتهم وتوثيق شهاداتهم، بما يسهم في الاعتراف الرسمي بضحايا الجرائم ويعيد الاعتبار لكرامتهم الإنسانية، إن هذا الدور يعزز الثقة بين المجتمع والمؤسسات، ويجعل من التوثيق عملية ذات بعد أخلاقي وإنساني، لا تقتصر على جمع البيانات، بل تتعداها إلى الإسهام في جبر الضرر وترسيخ العدالة الاجتماعية، وفي السياق نفسه، فقد أنشأ المركز مقبرة جماعية تضم رفات الضحايا نتيجة جرائم البعث والإرهاب بعد 2003م، ولاسيما ضحايا نزلاء سجن بادوش .
    أما المحور المؤسسي، فيتجسد في إسهام المركز في مساندة الجهود الحكومية من خلال المشاركة في لجان توثيق الألم والتوعية والإرشاد المجتمعي، وتقديم الخبرة الفنية والاستشارية في مجال التوثيق، وإعداد المناهج الدراسية الخاصة بحقوق الإنسان والديمقراطية وجرائم نظام البعث في العراق، ودعم السياسات العامة المرتبطة بالعدالة الانتقالية. ويظهر هذا الدور انتقال المركز من إطار العمل البحثي إلى فضاء التأثير في صناعة القرار، بما يعزز من تكامل الجهود الوطنية في مواجهة التطرّف والمساهمة في منع تكرار الجرائم.
    إن تكامل هذه المحاور الأربعة يفضي إلى بناء نموذج متكامل لمواجهة التطرّف، يجمع بين إنتاج المعرفة بوصفها أداة للوقاية، والتوثيق بوصفه أساساً للمساءلة، والتضامن بوصفه مدخلًا للإنصاف، والعمل المؤسسي بوصفه إطاراً للاستدامة. وهنا من الضروري جداً تعزيز تعاون المركز العراقي على المستوى الدولي من أجل بيان حجم الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب العراقي. وعليه، فإن ترسيخ ثقافة التوثيق ودعم المؤسسات المتخصصة يشكّل خطوة حاسمة نحو بناء مجتمع قائم على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، ويجعل من التوثيق أداة استراتيجية ليس فقط لحفظ الماضي، بل لصياغة مستقبل أكثر عدالة واستقراراً.