في إطار جهوده الرامية إلى صون الذاكرة الوطنية وتوثيق الجرائم المرتكبة بحق مكوّنات الشعب العراقي، نظّم المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرّف، التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، ندوةً علميةً إلكترونيةً متخصصة بعنوان “جرائم كيان داعش الإرهابي بحق الشيعة التركمان في تلعفر وقرية البشير”، تناولت الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها كيان داعش الإرهابي بحق أبناء المكوّن الشيعي التركماني، وسلطت الضوء على أهمية توثيقها بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية ودعامةً لمسارات العدالة والإنصاف.
وعُقدت الندوة مساء يوم الاثنين الموافق 27 تموز 2026 عبر منصة (Google Meet)، بمشاركة الدكتورة حنان الترجمان، القانونية والباحثة المتخصصة في الشؤون الإعلامية، والأستاذ جعفر التلعفري، الإعلامي والباحث في قضايا الإرهاب، وبحضور نخبة من الأكاديميين والباحثين وممثلي المؤسسات الحكومية والإنسانية ومنظمات المجتمع المدني.
وفي ورقتها البحثية الموسومة “انتهاكات كيان داعش الإرهابي ضد المكون التركماني في قرية البشير”، استعرضت الدكتورة حنان الترجمان الخصائص التاريخية والجغرافية والديموغرافية لقرية البشير، قبل أن تتناول التسلسل الزمني للانتهاكات التي تعرض لها سكانها، والتي امتدت من سياسات نظام البعث وصولًا إلى الجرائم التي ارتكبها كيان داعش الإرهابي عقب اجتياحه للقرية.
وبيّنت أن تلك الجرائم شملت القتل العمد، والاختطاف، والاعتداءات الجنسية، والتمثيل بجثامين الضحايا، فضلًا عن تدمير المراقد الدينية والمساجد والحسينيات، ومنها مقام الإمام علي (عليه السلام)، ومقام الإمام الرضا (عليه السلام)، ومقام سيد إسماعيل ابن الإمام الكاظم (عليه السلام)، إلى جانب تجريف المنازل وإحراقها ونهب الممتلكات وإتلاف المزروعات والأشجار، في محاولة ممنهجة لطمس هوية المنطقة وإفراغها من سكانها الأصليين.
وأشارت الترجمان إلى أن الانتهاكات بلغت ذروتها مع اختطاف النساء والأطفال وتهجير من تبقى من أبناء القرية قسرًا، مؤكدة أن اكتشاف المقابر الجماعية بعد تحرير البشير، واستمرار وجود عدد من الضحايا مجهولي الهوية، يفرضان مواصلة جهود التوثيق والتحقيق والكشف عن مصير المفقودين.
من جانبه، قدّم الأستاذ جعفر التلعفري ورقته البحثية الموسومة “الانتهاكات الإرهابية ضد المكون التركماني في تلعفر بعد عام 2003″، مستعرضًا مراحل الاستهداف المنهجي الذي تعرّضت له مدينة تلعفر، بدءًا من جرائم تنظيم القاعدة الإرهابي، مرورًا بالتنظيمات المتطرفة الأخرى، وصولًا إلى الجرائم الواسعة التي ارتكبها كيان داعش الإرهابي بحق أبناء المكوّن الشيعي التركماني.
وأوضح أن المدينة شهدت موجات متعاقبة من التفجيرات والهجمات المسلحة وعمليات الاغتيال والخطف، قبل أن تبلغ الانتهاكات ذروتها مع سيطرة كيان داعش الإرهابي، الذي ارتكب جرائم القتل الجماعي، والتهجير القسري، والخطف والسبي، وتجنيد الأطفال، وتدمير المعالم الدينية والتراثية، فضلًا عن تنفيذ عمليات إعدام جماعي ودفن الضحايا في مقابر جماعية.
ودعا التلعفري إلى تكثيف الجهود الوطنية والدولية للكشف عن مصير المختطفين والمختطفات من أبناء المكوّن التركماني، وإنصاف ذوي الضحايا وتعويضهم، والإسراع في إنجاز معاملات المفقودين والشهداء، فضلًا عن تعديل قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021 بما يضمن شمول التركمانيات اللواتي تعرضن لجرائم السبي والاسترقاق على يد كيان داعش الإرهابي.
وشهدت الندوة نقاشات علمية واسعة، أكد خلالها المشاركون أن توثيق الجرائم المرتكبة بحق المكوّنات العراقية يمثل مسؤولية وطنية وأخلاقية، ويشكّل ركيزة أساسية لدعم العدالة الانتقالية، وحفظ حقوق الضحايا، والتصدي لمحاولات إنكار هذه الجرائم أو تزييف وقائعها.
وتندرج هذه الندوة ضمن سلسلة الندوات العلمية التي ينظمها المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرّف في إطار مشروعه الوطني الهادف إلى توثيق جرائم الإرهاب والانتهاكات الجسيمة التي تعرّض لها العراقيون، وإعداد دراسات وملفات علمية وقانونية تسهم في حفظ الحقيقة التاريخية، وتعزيز ثقافة حقوق الإنسان، وترسيخ الوعي المجتمعي بأهمية صون ذاكرة الألم العراقية للأجيال القادمة.