منع زيارة الأربعين عام 1977م في العراق: قراءة في تكييف الانتهاكات وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان

منع زيارة الاربعين الدكتور عباس القريشي

د. عباس القريشي

مثّلت أحداث منع زيارة الأربعين في شهر صفر عام 1977م إحدى أبرز الوقائع التي كشفت عن طبيعة السياسة القمعية التي انتهجها النظام البعثي في العراق تجاه ممارسة الشعائر الدينية؛ فقد لجأت السلطات البعثية آنذاك إلى منع آلاف الزائرين من أداء مسيرتهم السنوية إلى مدينة كربلاء المقدسة لإحياء أربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، مستخدمةً وسائل متعددة شملت فرض القيود الأمنية، والاعتقالات الجماعية، واستخدام القوة ضد المدنيين، وإحالة عدد من المشاركين إلى محاكمات انتهت بإصدار أحكام قاسية، كان من بينها أحكام بالإعدام والسجن طويل الأمد.
ولا تقتصر أهمية هذه الأحداث على بعدها التاريخي، بل تكتسب بعداً قانونياً يستوجب تكييفها في ضوء قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، بوصفها سلسلة من الانتهاكات المنظمة التي استهدفت جملة من الحقوق والحريات الأساسية.
بدءاً من انتهاك دستور 1970، إذ إن منع المسيرة الحسينية وهي من الشعائر الدينية التي يمارسها شيعة أهل البيت (عليهم السلام) عام 1977 لم يكن مجرد إجراء أمني فحسب إنما تقييد لحق دستوري كفله دستور عام 1970، فقد تعارض هذا المنع مع المادة 25 التي كفلت حرية الأديان والمعتقدات وممارسة الشعائر الدينية، ومع المادة 26 التي كفلت حرية الاجتماع، إذ إن المسيرة الحسينية تمثل شعيرة دينية جماعية تجسد في الوقت ذاته اجتماعاً سلمياً يحميه الدستور، وشكل المنع إخلالاً بمبدأ المساواة المنصوص عليه في المادة 20 من الدستور كونه استهدف ممارسة شعيرة دينية تخص المواطنين الشيعة دون غيرهم، بما ينطوي على معاملة تمييزية على أساس الدين أو المذهب.
وتمثل زيارة الأربعين إحدى أبرز الشعائر الدينية لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، الأمر الذي يجعل منعها أو التضييق عليها تدخلا مباشراً في ممارسة حق ديني مكفول دولياً، ولم يكن المنع في عام 1977م مجرد إجراء تنظيمي أو إداري، بل اتخذ صورة الحظر الشامل المصحوب باستخدام القوة والعقوبات الجنائية، وهو ما يفقده أي مبرر يمكن أن يستند إلى القيود الاستثنائية التي يجيزها القانون الدولي.
وعلى العكس من ذلك، فإن الرد الأمني الذي اعتمدته السلطات البعثية وأجهزتها الأمنية اتسم باستخدام القوة المفرطة والاعتقالات الجماعية، وهو ما يتعارض مع المبادئ الدولية المتعلقة بإدارة التجمعات السلمية واحترام الحقوق الأساسية للمشاركين فيها، إذ يُعد الحق في حرية الفكر والوجدان والدين من الحقوق الأساسية التي كرستها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها المادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، والمادة (18) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966م، اللتان تكفلان لكل إنسان حرية إظهار دينه أو معتقده بممارسة الشعائر وإقامة الطقوس، سواء بصورة فردية أو جماعية.
وانطوت تلك الإجراءات على انتهاك واضح لحرية التجمع السلمي، المنصوص عليها في المادة (20) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (21) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فالمسيرة الحسينية كانت تجمعا سلميا ذا طبيعة دينية خالصة، ولم يثبت أنها شكلت تهديداً للأمن العام يسوغ استخدام القوة لتفريقها أو منعها.
ومن زاوية أخرى، فإن منع الزائرين من الوصول إلى كربلاء المقدسة شكّل انتهاكاً لحرية التنقل داخل حدود الدولة، وهي الحرية التي أقرتها المادة (13) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فقد فُرضت حواجز أمنية وإجراءات استثنائية حالت دون انتقال المواطنين إلى الأماكن المقدسة، ليس لاعتبارات تتعلق بتنظيم الحركة أو السلامة العامة، وإنما بهدف منع ممارسة شعيرة دينية بعينها، وهو ما يجعل القيود المفروضة فاقدة لشرطي الضرورة والتناسب اللذين يشكلان أساساً لأي تقييد مشروع للحقوق والحريات.
ولم تتوقف الانتهاكات عند حدود المنع، بل امتدت إلى الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والمحاكمات التي افتقرت إلى ضمانات العدالة؛ إذ تعرض عدد كبير من المشاركين للاحتجاز دون مبررات قانونية كافية، ثم أحيل بعضهم إلى محاكمات استثنائية انتهت بإصدار أحكام بالإعدام أو السجن، الأمر الذي يتعارض مع الضمانات المنصوص عليها في المواد (9) و(10) و(14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي تكفل الحق في الحرية الشخصية، والمحاكمة العادلة، وافتراض البراءة، وضمان استقلال القضاء.
وتشير العديد من الشهادات التاريخية إلى تعرض المعتقلين لأشكال مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة أثناء التحقيق، وهو ما يشكل انتهاكا للحظر المطلق للتعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهو حظر أقره القانون الدولي العرفي، كما أكدته المادة (5) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (7) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وأصبح لاحقاً أكثر تفصيلاً في اتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984م.
ومن منظور القانون الدولي، فإن تكرار هذه الممارسات وارتباطها بسياسة رسمية استهدفت فئة دينية محددة يثير مسألة مسؤولية الدولة عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ويبرز أهمية التوثيق القانوني لهذه الوقائع، ليس بوصفها أحداثاً تاريخية فحسب، وإنما باعتبارها أدلة على نمط من الاضطهاد الديني المنظم الذي مارسته السلطة ضد مواطنيها.
ويكتسب هذا التوثيق أهمية مضاعفة في إطار العدالة الانتقالية، وحفظ الذاكرة الوطنية، وضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً.
وفي الختام يمكننا القول: إنَّ منع زيارة الأربعين عام 1977م لم يكن مجرد إجراء أمني عابر، بل مثّل انتهاكا متعدّد الأبعاد لحقوق الإنسان، شمل حرية الدين، وحرية التجمع السلمي، وحرية التنقل، والحق في الحرية الشخصية، والحق في المحاكمة العادلة، وحظر التعذيب، ومن ثّم، فإن التكييف القانوني لهذه الأحداث في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان يؤكد أنها تمثل نموذجا واضحا لاستخدام سلطة الدولة في قمع ممارسة الحقوق الأساسية، الأمر الذي يجعلها جزءًا من سجل الانتهاكات الجسيمة التي تستوجب الدراسة والتوثيق والمساءلة القانونية، حفاظاً على الذاكرة الوطنية وترسيخاً لمبادئ العدالة وسيادة القانون.