banarlogo

أسباب ظهور المقابر الجماعية في العراق (1968-2003م)

اسباب ظهور المقابر الجماعية في العراق
د. فاطمة حمدان عبادي
جامعة الكوفة- كلية الآداب
مارس حزب البعث عند استلامه مقاليد السلطة في العراق أبشع الأعمال الإجرامية القمعية بهدف منع الافراد بأن يقوموا بأي عمل يهدد نظامهم الاجرامي, إذ تمثلت أبشع تلك الصور للعنف والاجرام بالمقابر الجماعية التي ضمت أرواح الآلاف من الضحايا الابرياء, وان الاسباب الكامنة وراء ارتكاب هذه المقابر هي اسباب دينية ومذهبية, واوضح صورة لهذا السبب هي جرائم نظام البعث ضد شيعة العراق حينما قام بضرب سكان وسط وجنوب البلاد بالصواريخ والاسلحة المتعددة الثقيلة خلال الانتفاضة التي اندلعت عام 1991 وهي ما تعرف بالانتفاضة الشعبانية(1), اضف الى قيامه بتصفية المئات من علماء الدين بأبشع واخطر صورة سواء ممن اختفوا او ممن قتلوا علناً لمواقفهم الرافضة لنظامه الدموي, وهنالك أيضاً أسباب قومية تمثلت باستهداف الكورد في شمال العراق .
ومن اسباب قيام الانتفاضة الشعبانية هو التصاعد في خنق الحريات وانتهاكات حقوق الانسان التي مارسها نظام البعث, فتذمر الشعب العراقي من سياسة العنف والاضطهاد للنظام والانخراط الاجباري في القوات المسلحة ومعاقبته كل من يرفض هذا الامر بعقوبات شتى تصل الى الاعدام, علاوة على الاضطهاد الطائفي المتبع من قبل صدام حسين ضد المعتقدات الشيعية كمنع المواكب والزيارات والحسينيات واضطهاده السياسي الناتج من اتهام الشعب بالعمالة لصالح ايران وزجهم في الحروب مع الايرانيين, وهذا ما انعكس على ازدياد اعداد المفقودين جراء السياسة الدموية للنظام البعثي(2).
وعلى الرغم من انتشار الانتفاضة في محافظات الوسط والجنوب و شمال البلاد, الا ان هذا الأمر لم يستمر مطولاً فشراسة قمع الحرس الجمهوري للانتفاضة واستخدامهم للمدافع والدبابات والصواريخ والطائرات وحتى المواد الكيمياوية, وقيامهم بالإعدامات الجماعية حتى انهم اعدموا وجبة واحدة ما يقارب (500) شخص وحرق المنتفضين امام اعين عوائلهم بسكب البنزين عليهم, واتباعهم لسياسة العزل الطائفي والاجتماعي بهدف التخلص من سكان بغداد ممن تنحدر اصولهم من المحافظات الجنوبية والوسطى مستثنياً الذين تنحدر اصولهم من تكريت والرمادي والموصل واضطرار الكثير من العوائل الى تغير  مناطق سكانهم والانتقال الى اماكن اخرى, وهذه الاسباب وغيرها ادت الى اخفاق الانتفاضة وفشلها, وانعكست بالتالي ببروز ظاهرة المقابر الجماعية(3) .
اسفرت الانتفاضة ايضا على ارتكاب النظام لجرائم مروعة بحق الشعب العراقي, لعل من ابرزها: جثث السجناء الذين فارقوا الحياة جراء الجوع والتعذيب والضغوط النفسية والجسمية حيث تركت جثثهم داخل السجون السرية وبقيت هياكلهم العظمية وجثثهم المتفسخة, اضف الى قيام القوات الحكومية بنهب العتبات المقدسة واحتلال مدينتي النجف وكربلاء المقدسة ونهب كل ما له قيمة في اضرحة الائمة وخزائن العتبات, ومن الجرائم المروعة ايضا هو التمثيل البشع بالنساء, حيث كشف عن الكثير من السجون السرية والابنية المظلمة في اعماق الارض في عدد من المحافظات وفيها اغلب جثث الفتيات والنساء اللاتي قتلن على ايدي مرتزقة النظام(4) .
فقد جرى قمع الانتفاضة قمعاً وحشياً من قبل قوات النظام الوحشي تحديداً في مناطق الجنوب عندما لقي ما يقارب عشرين الفاً الى مئة الفاً مصرعهم, وتعرض مدينة كربلاء الى القصف المدفعي, اعقب ذلك قيام النظام بتجفيف الاهوار الجنوبية للحيلولة دون استخدامها كملاذ, وبحلول اواخر التسعينات جرى تدمير هذه المنطقة تدميراً كلياً, وازداد القمع البعثي الذي رافقه حملة اعدامات لضباط الجيش بتهمة التآمر على النظام(5) .
علاوة على الاسباب الدينية والمذهبية, فقد كان هناك اسباب اخرى اجتماعية وعسكرية وسياسية, وجميع هذه الاسباب شكلت موقفاً معارضاً لنظام صدام حسين وسياسته, التي دمرت البلاد من كافة النواحي, لتأتي هذه المواقف من رجال السياسة والضباط الكبار في المؤسسة العسكرية, الى جانب الشخصيات المؤثرة في المجتمع المحلي والذين تصدوا بكل ثبات وقوة وحزم للنظام الدموي(6).
استناداً الى ما ورد اعلاه وبحكم الاطلاع على العديد من المصادر يمكننا التوصل الى ان ظهور المقابر الجماعية في العراق لم يكن وليد الصدفة وانما كانت نتيجة اسباب عدّة تتراوح بين الاسباب السياسية المتمثلة بقتل كل من يشك البعثيون انه يختلف معهم  ويكمن السبب الاخر لبروز هذه المقابر هو قمع البعثيون للانتفاضات الشعبية كانتفاضة 1991 والتي قمعها بعنف شديد اسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ودفنهم في هذه المقابر كجزء من سياسة الترهيب والابادة, فضلاً عن التصفية العرقية والدينية التي اتبعها مع شيعة وكورد العراق حينما  قام بتصفية الالاف منهم واعتبرهم خطراً يهدد نظامه, أي بمعنى ادق ان ظهور المقابر الجماعية في العراق هو نتاج تراكمي لعوامل سياسية واجتماعية ودينية وقومية متداخلة .
المصادر:
  • الانتفاضة الشعبانية: انتفاضة شعبية اندلعت في مناطق عديدة من البلاد وذلك في شهر شعبان عام 1991 وسميت بهذا الاسم نسبة الى شهر شعبان في التقويم الهجري, وهي رد فعل على القمع الذي مارسه صدام حسين ضد الشعب, جاءت هذه الانتفاضة اعقاب حرب الخليج الثانية التي هزم فيها نظام البعث العراقي, والذي تعرض الى الضعف بسبب الهزيمة العسكرية, ومما ساعد ايضا على قيام هذه الانتفاضة هو الوعود والعهود من قبل الدول العربية والاجنبية بمساندة أي تحرك شعبي لاسقاط النظام, ولعل في مقدمة تلك الدول الولايات المتحدة الامريكية, الى جانب تزامن وقوع بعض الاحداث مع ايام الانتفاضة ولعل من ابرزها مشاركة اعداد كبيرة من اهالي النجف الاشرف في تشييع جنازة السيد يوسف الحكيم احد مراجع الدين الكبار, اضف الى وقوع الاحتجاجات في مدينة الديوانية احتجاجاً على رفض صدام حسين الانسحاب من الكويت ونتائج هذا الوضع على العراق حيث قتل عدد من المتظاهرين من قبل مسؤولي حزب البعث. للمزيد من المعلومات والتفاصيل حول الانتفاضة ينظر: زهراء حسون صاحب, انتفاضة 1991 في العراق (النجف الاشرف انموذجاً), رسالة ماجستير, (جامعة الكوفة: كلية التربية للبنات, 2014), ص53-54.
  • سرى عبد الهادي دعبول, المقابر وجرائم الابادة الجماعية في العراق آثارها الاجتماعية وتوصيفها القانوني 1983-1999 (دراسة تاريخية), رسالة ماجستير, (جامعة الكوفة: كلية التربية للبنات, 2023), ص65-66.
  • المصدر نفسه, ص70.
  • ماجد الماجد, انتفاضة الشعب العراقي 1412هـ/1991م, (بيروت: دار الوفاق, 1991), ص 44-45.
  • هالة فتاح وفرانك كاسو, موجز تاريخ العراق 1914-2008, ترجمة: مصطفى نعمان احمد, (د. م: دار المرتضى, د. ت), ص119.
  • قاسم عبد علي عذيب, التحليل الجيوسياسي لمقابر الابادة الجماعية في العراق للفترة من 1979-2017, مجلة آداب البصرة, العدد 99, 202., ص220.