banarlogo

ضحايا التطرف: من المقابر الجماعية إلى المقابر النموذجية.. معالم من توثيق الوفاء

دكتور رائد

د. رائد عبيس

كثيرا ما نلقى اللوم على الذين أهملوا وضيعوا وتباطأوا وتأخروا في تدارك الأجساد الطرية من حفرة كانت مقبرة جماعية، قد احتضنتهم قسراً واحتضنوها موتاً فسميت بأجسادهم مقابر جماعية؛ لأنها جمعت أكثر من قبر أو أكثر من جسد، فلعل تشريع القوانين وإصدار التعليمات وإعطاء الأوامر لا تشفي غليل الأمهات الثكلى ولا أنين الأبناء وحسرة من تجلد من الآباء؛ لأن احتواء المواقف لا تتم بالإجراءات الرسمية ـ ولا يمكن أن نكبت تنهدات الموجعين فقدا لهم.
فيبقى السعي لتطييب الخواطر هو سعي ذوي النوايا الطيبة التي لا تدفعهم توجيهات الدوائر ولا تمضي بهم المخاطبات الرسمية، حيث وجود المقابر فحسب، بل هو استشعار دائم، واقتران وجودي بما وجدوا عليه هؤلاء الضحايا، فأصبحت فكرة التخليد أقوى من فكرة النسيان، وأصبح الواجب يتمثل فعلاً بما يقال ويفعل ويجسد لكل أهالي الضحايا الذين قضوا بفعل أشكال التطرف.
هذه وأمثالها هي جهود من سعوا إلى توثيق الوفاء إلى جانب توثيق الألم، فحولوا المقابر العشوائية إلى مقابر جماعية معلومة ومحددة، وحولوا أهل الوفاء المقابر الجماعية إلى قبور أو مقابر نموذجية سواء بمواقعهم أو بمواقع جديدة، تمثل تحدياً واضحاً لمحاولات الطمس والإخفاء والكتمان والنسيان واللا ذكر له. فالجاني لا يخاف من فعلته بالعادة حتى يخفيها، بل هو إمعان في الحقد والعدوان وجناية بحق الضحية ليخفي له كل أثر شفاء للغليل! ومن ذلك الحقد المتوارث ما تجسد في تهديد وتمثيل صدام حسين حين كان يذيب الناس في أحواض التيزاب ليخفي لهم كل ذكر ومعلم. وقبلها فعل بزيد الشهيد (عليه السلام)، وهكذا نفعل أحيانا ببعضنا حيث جرائم الحرق أو الطحن أو الإذابة!! المضي قدما وقسوة وإيغالا في الإبادة إلى حد الإفناء التام الذي يسبقها التمثيل درجة رغم بشاعته أيضا، فمستويات الإبادة متفاوتة بحسب عدوانية القتال ووحشية الجاني، فهذه المراحل هي كاشفة عن عمق السيكولوجية الإجرامية الكامنة خلف دوافع الفعل الإجرامي وتناميه. فالتطرف في دوافع الإقبار والإبادة يجب أن تقابل بعقلانية في الإحياء والتخليد وتحقيق توازن نفسي عند من تتحقق لديه دوافع إبادية متقابلة إلى إنصاف عقلاني مرضي لأهالي الضحايا حتى لا تتولد ردود أفعال مشابهة.
فتوثيق الوفاء هو إعطاء رسالة إلى كل من نالهم الضرر على أن هناك من ينصف ويخلد ما أريد إفناؤه. وهو سياسة احتواء لمشاعر الغضب والتظلم والشعور بنسيان الضحايا الذي لا يقل معنويا عن دوافع الإخفاء التي أقدم عليها الجناة. وهو فلسفة تحدٍ لفكرة الموت والإلغاء والإبادة والضياع. وهو إيجاد جديد وإحياء ذكر وإنقاذ متأخر وإسعاف من إهمال التأريخ.
إليك أيها القارئ نماذج من معالم توثيق الوفاء؛ لعلها تكون إجابة لمن بالغه الألم والفقد الذي لا عوض له، لعله يكون شفاء للصدور، لعله يكون رضا بقدر سعيد اشتراه المرء لنفسه، فاستسعده به غيره، كالأب الذي يهنئ ابنه الشهيد بجمال قبره الجديد! هذه عبارة سمعتها من أب وقف على قبر ابنه. في مقبرته النموذجية التي غيرت شعور وجود ابنهم في مقبرة جماعية!
هي معلم جديد، غير تلك الحفرة الحقيرة المليئة بالرفات والأنقاض والأوساخ، إنه مكان يظهر تقدير جديد للضحية، نظيف ومرتب ومنظم ومهندس يقصده الزائرون. على العكس من شعور الفقد المؤلم واللاوجود له. لعله شعور بهيبة الموت والشهادة على العكس من ذلك المصير الذي شاهدوه قبل موتهم أو نقلوا إليه دون علمهم.
من تلك الأمثلة:
أولاً: مقبرة روضة الكفيل
هذه الروضة جاءت في توقيت تضاعف الجراح، وتكرار الألم، حيث احتضنت شهداء من ضحايا التطرف الذي عمد إلى تأكيد إبادته بقوة عبر إخفاء أشلاء الضحايا ورفاتهم طيلة سنوات منذ 2014م وإلى اليوم ما زالت تحتضن هذه المقبرة شهداء الحقب المظلمة التي تعاقبت على العراقيين من جراء التطرف الديني والسياسي والمذهبي الذي أوغل حقدا على جنود معسكر قاعدة ماجد التميمي (سبايكر) وبين شهداء سجن بادوش مع رفات ضحايا البعث المجرم الذي خلفها في هذه المدينة، حيث المقبرة النموذجية التي كانت فيها هذه الروضة.
ثانياً: مقبرة البرزانيين في أربيل:
من عمق الصحراء إلى أعالي الجبال، عروج جديد، ورحلة نحو الجنوب وأخرى نحو الشمال، لعلها الرحلة الأولى لهم إلى الجنوب، ولعلهم المرة الأولى التي يرون فيها جنوب بلدهم، ولكن كانت الأخيرة في عدم رؤيته تماما! حيث كانت مقابرهم الجديدة والجماعية التي تنتظرهم، هكذا قرر البعث المجرم فعلته بهم، وهيأ لهم ما لم يكن متوقعاً في خلدهم، وهم ينسجون ذكرياتهم قبل الوصول وآمالهم للعودة المأمولة، ولكن مقابر نقرة السلمان كانت واقعاً جديداً لهم، صراخ جماعي وموت جماعي وقبر جماعي، فطالت الرحلة منذ سفرهم نحو الجنوب وحتى عودتهم نعوشاً إلى أعالي جبل بارزان. هنا تشتد رمزية القصة والقبر والمعلم والذكرى التي اختير لها أن تكون نعشا جديدا وقبرا جماعيا هو أقرب إلى أن يكون حديقة مليئة بالزهور منه إلى قبر، ليغيروا بها معالم الموتة الأولى وتزاحمهم في قبرهم الكبير ورثاثة واقعهم المؤلم، بعناية في الذوق والجمال والتزيين والتنظيم وأكاليل الزهور فنشعر أكثر بسعادة الشهداء، وهذا أقل ما يمكن أن يسعدوا به بعد طول هذه الرحلة.
ثالثاً: مقبرة حلبجة
مقبرة حلبجة ومعلمهما تجسيد حقيقي لكل المظالم التي طالت العراقيين، واختصار مؤلم لحجم العداء البعثي للعراقيين جميعا، فهذه الجريمة البشعة طالت الكورد والعرب وغيرهم وساوت بهم في موت جماعي موحد، كانت علامة فارقة في تاريخ العراق الحديث، حيث لم يكن يتخيل أن العراقيين يصل بهم الأمر هذه المرة إلى أن أبناء جلدتهم يبيد بعضهم بعضاً عبر هذه الطريقة الإجرامية القاسية. فكل رمز لا يعبر عن حجم الألم، ولا عن كثرة الدموع التي سفكت وما زالت على ضحايا هذه الجرمة الهائلة.

رابعا: النصب ومقبرة الشهداء الآشوريين
هذا معلم رمزي ومقبرة لشهداء الطائفة الآشورية في محافظة دهوك يعبر برمزية عن وفاء يليق بهم، حين توضع لهم أكاليل الورود بعد أن كانوا يتلقون الموت الجماعي والمدافن القسرية من قبل الجناة.
خامسا: نصب ومقبرة الإيزيديين
نصب ومقبرة في مدخل مدينة سنجار يرمزان إلى مستويات العنف الذي طال هذه الطائفة، ومراحل تطور الإجرام بحقها، حتى كان هذا الرمز والمعلم الذي احتضن في أعماقه رفات لنساء مسنات كان قد ألقى بهن داعش في حفرة عميقة بعد تصفيتهن وقتلهن، واعتلت أعمدته ليحمل صور تجسد حالات الموت الذي طالهم ومشاهد من حقيقة ما جرى عليهم. فكان هذا المعلم طموحاً يرضى الموجوعين كليا بأن يجسد لهم صورة هذا الوطن الذي أثقل عليهم بآلامه وإبادته ولأول مرة بوصفه مجسما ومعلما ينصف ذاكرتهم.
سادسا: نصب الكورد الفيليين
تعبير مركب عن جريمة مركبة ارتكبت بحق الكورد الفيليين، تعبيراً عن رمزيتها وإكراما لما حملت هذه الجريمة من آلام ثقيلة عليهم فكان هذا الشكل الذي تزاحمت به الرمزيات مع الذكريات ليكمل قصة مكون عراقي قاسى الأمرين من سياسة البعث الإجرامية وقراراته اللاإنسانية، فكان حري به أن يخلد ما يوفيهم حقهم ويطيب بعضاً من جراحهم وينصف رمزيا ما تكبدوه من خسائر للوطن وفي الوطن داخله وخارجه.
سابعا: مقبرة جنة الشهداء في كربلاء
 وهي مقبرة نموذجية عبرت عن قيمة عليا لشهداء العراق وأرادت أن تغير واقع الموت الرث إلى واقع الموت المكرم، بحفاوة التضحية وعناية الموقف، وشدة الاستسلام لقدر الموت على يد الغادرين والمجرمين من البعثيين في العراق.
ثامنا: الضحايا من كيل التراب إلى أكاليل الزهور
رد اعتبار حاسم لمعنى الوفاء أن تكرم من أوصى الله بإكرامه في الحياة كما أوصى بإكرامه في الممات، على من أُهينت كرامتهم بموت رخيص ودفن مشين، فوضع الزهور على قبورهم والاحتفاء بذكراهم وتقدير مماتهم جزء من الاعتزاز بقيمة الحياة التي فقدوها، ورد كبير على من استهان بموتهم وبدد كرامتهم بعدوانيته وتطرفه الإجرامي. فأصبح وضع الزهور تقليداً سنوياً يوضع في كل ذكرى، متضمناً رسالة إنسانية رافضة لثقافة الموت والنسيان والاستسلام لثقافة الإلغاء التي يراد لها أن تتحقق بالإرادة الإجرامية في فعل الإبادة الفعلية والقصدية لكل ذكرى للضحايا.