يُعدّ توثيق ضحايا المقابر الجماعية ومواقعها، استنادًا إلى الوثائق الرسمية والدراسات الاستقصائية، خطوة أساسية لتعزيز الذاكرة العراقية وحماية تاريخنا المعاصر من العبث والتزييف؛ إذ يفضح هذا التوثيق الجرائم اللاإنسانية التي ارتكبها النظام البعثي المقبور، ويكشف حجم المأساة ومدى انتشارها في مختلف أنحاء العراق. وقد أسهمت هذه الوثائق في إدانة النظام وقياداته المجرمة، فضلًا عن توثيق أعداد كبيرة من الضحايا، فيما تتيح الدراسات الاستقصائية فهم دوافع مرتكبي تلك الجرائم والأسباب التي أدت إلى تنفيذها بشكل منهجي؛ مما يؤكد الحاجة الملحّة لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلًا.
لا شك أن المقابر الجماعية في العراق تُصنّف ضمن جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، إذ استهدفت فئات محددة من أبناء الشعب العراقي لأسباب طائفية وعرقية، في مناطق ذات خصوصية اجتماعية وديموغرافية. ولم تقتصر تلك الجرائم على فئة عمرية معينة، بل شملت مختلف الأعمار وكلا الجنسين، وإن كان التركيز الأكبر موجّهًا نحو الذكور من الشباب. ووفقًا لبيانات مؤسسة الشهداء، تراوحت أعمار الضحايا بين أيامهم الأولى وحتى التسعين عامًا، وشكّل الذكور أكثر من (90%) من إجمالي الضحايا.
إن التركيز على جريمة المقابر الجماعية يستوجب دراسات معمقة لفهم أسبابها ودوافعها، ووضع خطط لإنصاف الضحايا ومعاقبة من أمر بارتكابها أو نفّذها أو أسهم فيها. وكان من المفترض أن تسعى الحكومات والبرلمانات في أي بلد تعرض لمثل هذه الجرائم إلى سنّ قوانين صارمة تضمن ملاحقة مرتكبيها محليًا ودوليًا، منعًا لتكرارها وضمانًا لتحقيق العدالة.
وكان من الضروري أن تؤدي المؤسسات الأكاديمية والتربوية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني دورًا محوريًا في تسليط الضوء على هذه الجرائم والمطالبة بتدويلها باعتبارها جرائم ضد الإنسانية قابلة للتكرار في أي مكان آخر. لكن للأسف شهدنا تغاضيًا غير مسوغ من مؤسسات الدولة العراقية، سواء التشريعية أو التنفيذية، فضلًا عن الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وهو تغاضٍ ارتبط بمصالح حزبية وفئوية ضيقة. وقد تجلّى ذلك في تغيير اسم “هيأة اجتثاث حزب البعث” إلى “هيأة المساءلة والعدالة”، وهو تعديل بعيد عن الهدف الأساسي المتمثل في ملاحقة المجرمين البعثيين المسؤولين عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا.
هذا الوضع أسهم في تكرار المآسي، كما حدث في بادوش وسبايكر والصقلاوية، بل امتدت الجرائم إلى خارج العراق؛ إذ شهدت سوريا إبادة جماعية بحق مكونات معينة من شعبها، نتيجة إفلات القيادات البعثية العراقية من المحاسبة ونقلهم أساليب المقابر الجماعية إلى الجماعات التكفيرية هناك.
أما الإعلام العراقي، فقد فشل في تصوير واقع هذه الجرائم ودوافعها، إذ خضع لتوجهات الحكومات المتعاقبة التي تعاملت مع الملف تحت وطأة المجاملات السياسية والصفقات. كما تسلل الفكر البعثي إلى مفاصل الإعلام؛ مما جعل المواطن العراقي يتجه نحو القنوات التي أسسها أو موّلها حزب البعث التي ركزت على تحسين صورة النظام المقبور وتضخيم الأحداث البسيطة، مستغلةً ضعف الدولة وانقساماتها. وعلى النهج ذاته، سارت مؤسسات إعلامية عربية، مدفوعةً بأسباب سياسية وطائفية، فأسهمت في زرع الإحباط وتشويه الحقائق وتقزيم المنجزات الكبرى، حتى بات البعض يصف زمن الجوع والحروب والمقابر الجماعية بأنه “الزمن الجميل”.
لقد كان المواطن العراقي خلال حكم البعث يتعرض لأشد العقوبات، التي قد تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد، إذا انتقد أو أهان رئيس الجمهورية، وفقًا لقرار مجلس قيادة الثورة رقم (840) الصادر في (14) تشرين الثاني 1986م. بل إن بعض الشباب أُعدموا ودُفنوا في مقابر جماعية لمجرد أفعال بسيطة، كما حدث في ديالى – ناحية أبي صيدا عام 1986م، حين أُعدم أحد المراهقين لرشّه أصباغًا على صورة صدام حسين.
كانت المحاكمات مجرد إجراءات شكلية، هدفها تنفيذ أكبر عدد ممكن من أحكام الإعدام بحق الشباب، بغض النظر عن طبيعة التهم، التي كثيرًا ما استندت إلى وشايات أو شكوك. ففي جلسة لا تتجاوز نصف ساعة أمام محكمة الثورة سيئة الصيت، كان القاضي يصدر قرارات بإعدام العشرات ومصادرة أموالهم، فقط لمجرد الاختلاف في الرؤية السياسية.
تشير الوثائق الرسمية إلى أن أقدم المقابر الجماعية كانت في بغداد، وتحديدًا في مقبرة الكرخ الإسلامية، لقربها من مراكز التحقيق الأمني التي شهدت أبشع أساليب التعذيب. كما امتدت هذه الممارسات إلى مقابر في الرمادي قرب سجن أبو غريب؛ إذ جرى تصفية المئات من المعتقلين السياسيين بشكل دوري ودون محاكمة.
ووفقًا لآخر تقرير رسمي صادر عن مؤسسة الشهداء بتاريخ (3) آذار 2025، بلغ عدد المقابر الجماعية المفتوحة في عهد النظام البعثي (160) مقبرة، فيما وصل عدد الرفات المنتشلة إلى (4451) رفاتًا، موزعة على (16) محافظة عراقية. وتشير الإحصائيات إلى وجود (16) موقعًا لم تُفتح بعد، وأن عدد الشهداء الذين لم تُستخرج رفاتهم يتجاوز (40) ألفًا.
أما المقابر الجماعية التي ارتكبها تنظيما القاعدة وداعش، فقد بلغ عددها (141) موقعًا، استُخرج منها (3477) رفاتًا، معظمها في المحافظات الشمالية والوسطى؛ إذ تركزت الجرائم ضد الأقليات ومنتسبي القوات المسلحة. وقد تصدرت محافظة نينوى القائمة بـ (114) موقعًا، منها (32) لم تُفتح بعد، تلتها صلاح الدين بـ (38) موقعًا، منها (10) مغلقة.
المراجع
– سامي الساعدي، ليالي أبو غريب، مؤسسة الوراقين، ط2، 2011م.
– المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، تقارير الأمم المتحدة في إدانة نظام البعث: انتهاكات حقوق الإنسان 1991 ـــ 2003م.