-الحلقة السادسة-
د. رائد عبيس
عضو المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف
التعسف هو الصفة البارزة في السياسات البعثية، وعلى نحو خاص في السياسات الصدامية بإزاء كثير من القضايا التي لا تتطلب تعسفاً، ولا توجد لها ضرورة، بقدر ما تتطلب سياسة قائمة على الاعتراف بالحق المنصوص عليه في الدساتير واللوائح التي كان العراق فيها طرفاً ملزماً بتنفيذها. ولكن ما اعتدنا عليه في تاريخ البعث هو تسجيل مزيد من الانتهاكات التي عصفت بكل القواعد القانونية العامة والخاصة وزلزلة الثقة بما تكتبه الدولة وما تقره الحكومات، وما توقع عليه من ضمانات مكتوبة في ممارسات الحق العام.
وفي ذلك سواء كل من الحقوق المدنية والسياسية والحقوق العسكرية لمن يشمله قانون العسكرة، وبما أن مرحلة حكم صدام حسين تحولت إلى مرحلة عسكرة للمجتمع العراقي، وأصبحت به القوانين العسكرية تطبق على المدنيين الذين تمت عسكرتهم إلى جانب العسكريين من صنوف القوات المسلحة. وأصبح لهذا المعنى من التعسف أكثر عمقاً ودلالات أوسع؛ إذ تحول سريعا إلى منهج حكم، وإلى ممارسة أمنية، ومنهج عسكري أيضا.
فالتعسف السياسي كان منهجاً بعثيا وصدامياً عاماً طال جميع العراقيين بمختلف دلالات التعسف وتطبيقاته، إلى جانب الاستعمال الضيق لمنهج التعسف الذي طال قيادات ومراتب قريبة من مركز القرار في جيش البعث الصدامية وحكومته.
فالتعسف كان حالة معاشة في حياة المواطن العراقي زمن حكم البعث، ويتلقاه بشكل يومي وممنهج، كان هذا على مستوى الأمور العامة في ممارسات البعث اليومية فعليا وكلامياً، إلى جانب التعسف القانوني أو الذي يأخذ صفة قانونية لدى حكومة البعث.
لعل أوضحها كان ما يتعلق بالتعسف العسكري الذي سرعان ما يترتب عليه أثر واضح على جميع العسكريين في مختلف صنوف العسكرية ومراتبها وجنودها ومن يلتحق بها على نحو الإكراه أو التطوع.
في المؤسسة البعثية العسكرية لا تفهم هذه الانتهاكات التي تقترن بهذا التعسف على أنها تعسف، بل جرت العادة على أن كل ذلك التعسف هو جزء من آليات الضبط العسكري أو الانضباط العام. بل هو ممارسة مهنية داخل هذه المؤسسة.
لذلك كان هذا التعسف موثقاً بوصفه جزءاً من الأوامر الإدارية، والعقابية، والقرارات العسكرية، أو السياق العام في الخطاب اليومي بين وحدات هذه المؤسسة العسكرية. وعلى الرغم من شدته كانت قيادات البعث تعده شكلاً من أشكال الصرامة العسكرية التي تشد من الصرامة العسكرية، وإن كانت في مواضع البطش، والاعتداء، والتهور، والرعونة السلوكية العسكرية.
فكان الوجه القانوني والحقوقي لهذا التعسف يشكل انتهاكاً واضحاً للدستور العراقي المؤقت حينها، وتجاوزاً لمواثيق الحقوق المدنية والسياسية الدولية التي كان العراق طرفاً فيها، ومخالفاً للأعراف الاجتماعية والقانونية والعسكرية، وهذا ما دفع صدام حسين حينها للتراجع عن بعض قراراته التعسفية التي طالت العسكريين، مثل: قرار قطع الأذن، بنص القرار التشريعي المرقم 46 لسنة 2003، والذي نشر في تاريخ 10/3/2003، أي قبل سقوط نظامه وزوال حكمه بأسابيع. [1]
أصدر مجلس قيادة الثورة برئاسة صدام حسين مجموعة من القرارات التعسفية بحق العسكريين وصلت إلى حد إصدار قرارات غريبة ومستهجنة في العرف العام، مثل: قرار قطع الأذن ! وقرار وشم الجبهة بعلامة أكس × أو قرارات الإعدامات الميدانية لكبار الضباط والقادة العسكريين لأسباب بسيطة.
بالإضافة إلى الاستهجان العام لهذه الممارسات الإجرامية بحق العسكريين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية، أو المتأخرين عن الالتحاق بالخدمة العسكرية بعد انتهاء إجازتهم العسكرية الشهرية أو الأسبوعية. رصدت المنظمات الدولية لحقوق الإنسان ومنها منظمة العفو الدولية هذا النوع من الإجرام التعسفي المتطرف بحق العسكريين وعوائل العسكريين، فكثير من نساء القادة العسكريين اعتقلن وسُجِنَّ، وبعضهم وعوائلهم فروا من العراق خوفاً من بطش محتمل نتيجة خطأ إداري، أو موقف سياسي، أو اتهام عسكري بنشاط ما.
ومن هذه القرارات التي وثقت بها منظمة العفو الدولية شهادات ومعلومات حولها هو مرسوم 115 الذي ينص على بتر الأذن والوسم بسبب الفرار من الجيش، تنص المادتان 1 و2 من المرسوم 115، الصادر في 25 أغسطس 1994، والذي دخل حيز التنفيذ بعد نشره في عدد 12 سبتمبر 1994 من الجريدة الرسمية، على ما يأتي:
-
تُقطع صيوان إحدى الأذنين لكل من يرتكب الجرائم التالية:
(أ) التخلف عن الخدمة العسكرية.
(ب) الفرار من الجيش.
(ج) إيواء متخلف عن الخدمة أو فارّ منها وتوفير الحماية له.
-
تُقطع صيوان الأذن الأخرى في حالة ارتكاب جريمة ثانية تتعلق بأي من الجرائم المحددة في المادة 1 من هذا المرسوم.”
عمليًا، وكما أشرنا سابقاً إلى أن صدام حسين تراجع عن هذا القرار بعد تنفيذه بمدة وعُدّل، فبينما خضع بعض الفارين لبتر الأذن الخارجية بالكامل، خضع آخرون لبتر الجزء العلوي فقط.
نصّ المرسوم كذلك على وقف الإجراءات القانونية ضدّ الفارين من الخدمة العسكرية والمتخلفين عنها إذا سلّموا أنفسهم إلى السلطات في غضون سبعة أيام من تاريخ صدور المرسوم، أو في غضون شهر واحد، إذا كانوا خارج العراق. وتنص المادة 8 من المرسوم على أن أحكامه تسري أيضًا على المتخلفين عن الخدمة العسكرية، والفارين من الخدمة العسكرية الذين ارتكبوا هذه الجرائم في تاريخ سابق لصدور المرسوم، والذين لم يسلموا أنفسهم خلال المدة الزمنية المحددة.
وكان من المقرر أن يُصاحب كل من بتر اليد وقطع الأذن كيًّا على الجبهة. وتعتقد منظمة العفو الدولية أن هذه المراسيم تُخالف التزامات العراق كدولة طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تنص المادة 7 منه على أنه “لا يجوز إخضاع أي شخص للتعذيب، أو للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”. وفقًا للمادة 5 من لجنة الأمم المتحدة والتعليق العام رقم 20، يُعدّ العقاب البدني انتهاكًا للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المادة 7.
على الرغم من أن العراق ليس دولة طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، فإن هذه العقوبات القضائية تُخالف التزاماته بموجب إعلانه الأحادي الجانب لمناهضة التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة، أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية أو المهينة، الذي أصدره العراق في 3 سبتمبر 1979. إضافةً إلى ذلك، يُحظر التعذيب بموجب المادة 22 (أ) من الدستور العراقي وبموجب المادة 127 من قانون الإجراءات الجنائية العراقي، كما تُحظر هذه العقوبات دوليًا بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وعندما أُعلن عن هذه العقوبات لأول مرة، أفادت السلطات العراقية بأن الأفراد الذين سيخضعون لها سيُطلب منهم دفع 600 دينار عراقي مقابل التخدير المستخدم أثناء العملية.[2]
في الحالات التي لا يستطيع فيها الفرد دفع هذا المبلغ، سيتم تنفيذ العقوبات، ولكن من دون تخدير. كانت مثل هذه الإجراءات تتماشى مع سياسة الحكومة الصدامية المعروفة في عمليات الإعدام، إذ جرت العادة منذ زمن طويل، والموثقة جيداً، على أن تطلب السلطات من عائلات المحكوم عليهم دفع ثمن الرصاص المستخدم في الإعدام. وتلقت منظمة العفو الدولية لاحقاً تقارير تفيد بأن الرئيس صدام حسين أصدر أمراً يقضي بأن يتلقى المحكوم عليهم ببتر الأذن المخدر مجاناً !
ومنذ صدور هذه المراسيم عام ١٩٩٤، تلقت منظمة العفو الدولية معلومات بشأن جندي يُزعم أنه فار من الخدمة العسكرية، والذي أُلقي القبض عليه في سبتمبر/أيلول 1994. وقد احتُجز في سجن عسكري، حيث قُطعت إحدى أذنيه عقابًا له على فراره. أُطلق سراحه من السجن بعد أن دفعت عائلته مبلغًا ماليًا غير معلوم للسلطات العراقية. ومنذ ذلك الحين، غادر العراق وطلب اللجوء في الخارج.
في المادة 6 من المرسوم 115، يُعرَّف الفرار بأنه “أي شخص يتغيب عن وحدته العسكرية لأكثر من 15 يومًا دون سبب مشروع”. وقد أدلى ما لا يقل عن عشرة فارين بشهادتهم بأنهم فروا لأنهم لم يعودوا قادرين ماليًا على إعالة أسرهم؛ بينما تخلف آخرون عن الخدمة العسكرية بالتهرب من التجنيد لأسباب مماثلة.[3]
ذكرت المنظمة شهادة من الضحية حسن عبد الله حسين، الذي فرّ من الجيش في ديسمبر 1994عندما لم يعد قادرًا على إعالة أسرته، اعتُقل لاحقًا من قبل السلطات العراقية في كركوك، وأُخضع لبتر الجزء العلوي من إحدى أذنيه.
بالإضافة إلى البتر والوسم المصاحب له، تعرّض الأفراد الذين حُكم عليهم بهذه العقوبات لمزيد من المشقة والعقوبات. تنص المادة 3 من المرسوم رقم 117 الصادر في 25 أغسطس 1994 – والذي ألغي بقرار من مجلس قيادة الثورة في تشريع رقم 9 لسنة 2003 بتاريخ 12/1/2003.والذي سبق سقوط نظام صدام حسين وزوال حكمه بما يزيد عن شهرين من تاريخ هذا القرار.
ما يأتي:
-
يُسجل في بطاقة الهوية المدنية
-
وشهادة الجنسية
-
وسجل الخدمة العسكرية