أ.د. رياض مهدي الزبيدي
شهد العراق أسوأ حالات انتهاك حقوق الإنسان وخرق للقوانين نتيجة الوضع القانوني السائد آنذاك، منذ اجتماع السلطات الثلاث في يد رئيس نظام البعث، فالقرارات الصادرة عن مجلس قيادة الثورة والموقعة من قبل رئيس النظام البائد؛ لكونه رئيسا للمجلس ورئيسا للجمهورية تتجاوز السلطتين التشريعية والقضائية باعتبارهما الهيئتين ذات الاختصاص بموجب الدستور المؤقت لعام 1970، وكذلك السلطة القضائية؛ لأنه يبتّ في كثير من الأمور التي تعد من صميم اختصاص السلطة القضائية على وفق الدستور. وأن النظام البعثي البائد وكافة أجهزته لم تقتصر انتهاكاته وخرقه للأنظمة والقوانين والدستور العراقي، بل تعد ممارساته خرقا للمواثيق والاتفاقيات الدولية، ومنها المصادق عليها من قبل العراق كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.
إن الحالة العامة لحقوق الإنسان في العراق امتازت بالتدهور التدريجي منذ منتصف عقد السبعينات من القرن المنصرم وصولا إلى ذروة الانتهاكات الجسيمة بعد وصول رئيس النظام السابق إلى سدة الحكم عام 1979، لتبدأ صفحة تاريخية مظلمة مهدت لدخول العراق في حالة من عدم الاستقرار.
يمكن القول إن العراق شهد أسوأ حالات انتهاك حقوق الإنسان وخرق للقوانين نتيجة الوضع القانوني السائد آنذاك، منذ اجتماع السلطات الثلاث في يد رئيس النظام الحاكم، فالقرارات الصادرة عن مجلس قيادة الثورة والموقعة من قبل (صدام حسين)؛ لكونه رئيسا للمجلس ورئيسا للجمهورية تتجاوز السلطتين التشريعية والقضائية باعتبارهما الهيئتين ذات الاختصاص بموجب الدستور المؤقت لعام 1970م، وكذلك السلطة القضائية؛ لأنه يبتّ في كثير من الأمور التي تعد من صميم اختصاص السلطة القضائية على وفق الدستور .
وإن نظام البعث وكافة أجهزته لم تقتصر انتهاكاته وخرقه للأنظمة والقوانين والدستور العراقي، بل تعد ممارساته خرقا للمواثيق والاتفاقيات الدولية ومنها المصادق عليها من قبل العراق كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها.
وفي هذا المطلب سوف نورد عدد من الأمثلة التي تبين مسؤولية النظام على خرق مواد تتعلق بحماية الأسرة والجنسية والحقوق والحريات الأساسية وعدم توفير الضمانات الكفيلة للمتهم، وتم اختيار عدد من القرارات والأوامر في أكثر القضايا خطورة، ولا سيما حق الحياة، مع فتح الباب لتغطية هذا الموضوع بصورة شاملة وبصورة شافية وأكثر تخصصا وعمقا للباحثين في المستقبل.
أولا: على صعيد الحقوق السياسية والمدنية:
بدءاً تجدر الإشارة إلى أن العراق قد صادق على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية منذ عام 1971، والذي دخل حيز التنفيذ عام 1976، وبموجبه يكون العراق ملزما بتقديم تقارير دورية عن وضع حقوق الإنسان إلى اللجنة المعنية بحقوق الإنسان والمنبثقة من العهد.
وفي هذا الصدد يمكن إيراد مجموعة من القرارات الصادرة عن مجلس قيادة الثورة التي تتعارض تماما مع التزام العراق بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وهنا نذكر القرار رقم (1244) والصادر بتاريخ 20/11/1976 والذي نصه (استنادا إلى أحكام الفقرة (أ) من المادة الثانية والأربعين من الدستور المؤقت قرر مجلس قيادة الثورة ما يأتي:
قانون التعديل السادس لقانون العقوبات رقم (111) لسنة 1976
المادة الأولى: ما يلي يضاف إلى نص الفقرة (ا) من المادة (200) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل البند (ج) لها:
ج-كل من انتمى أو ينتمي لحزب البعث العربي الاشتراكي ويثبت انتمائه بعد انتهاء علاقته بالحزب إلى أي جهة حزبية أو سياسية أو يعمل لحسابها أو مصلحتها. (يعاقب بالإعدام).
وبعد هذا القرار تم إضافة فقرة جديدة في 7/6/1978 إلى المادة (200) بموجب القرار (111) الصادر عن مجلس قيادة الثورة بإضافة الفقرة (د) التي تنص على (كل من كسب إلى أية جهة حزبية أو سياسية شخصا له علاقة بحزب البعث العربي الاشتراكي أو كسبه إلى تلك الجهة بعد انتهاء علاقته بالحزب بأي شكل من الأشكال وهو يعلم بتلك العلاقة).
وكذلك القرار رقم (844) الصادر في 3/7/ 1978 والقاضي بإعدام المتقاعدين العسكريين أو رجال الشرطة أو المتطوعين أو المسرحين من الخدمة أو المنتهية خدمته لأي سبب كان بعد 17/ تموز 1968 إذا ثبت انتماؤهم أو عملهم لحساب جهة سياسية غير حزب البعث.
وبعد ذلك جاء القرار رقم (461) والصادر في 31/3/1980 والقاضي بإعدام أعضاء حزب الدعوة الإسلامي الذي وصفه القرار بالعميل المرتبط بالأجنبي وخائن لتربة الوطن ولأهداف ومصالح الأمة العربية. وقد شمل هذا القرار إضافة إلى أعضاء حزب الدعوة العاملين لتحقيق أهدافه تحت واجهات أو مسميات أخرى، والغريب أن القرار قد صدر بأثر رجعي، أي أنه يطبق على الأفعال المرتكبة قبل صدوره، وقد أعدم على أثر هذا القرار المفكر الإسلامي السيد محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى بتاريخ 9/ 4/ 1980، كما تم تنفيذ أحكام الإعدام بحق الآلاف ممن اتهموا بالعمل مع حزب الدعوة أو الحركة الإسلامية في ضوء هذا القرار.
وعلى صعيد الحقوق المدنية فيمكن الإشارة إلى نص البرقية السرية لتهجير المسلمين من العراق والصادرة عن وزارة الداخلية بالعدد (2884) والصادر بتاريخ 10/4/1980 القاضية بترحيل وتهجير العراقيين المنحدرين من اصول ايرانية (التبعية الإيرانية) والذين يعد غالبيتهم من الكورد الفيلية. وقد جاء في طيات القرار فقرات تتعلق بتسفير المتقدمين بمعاملات التجنس، وكذلك العمل بمبدأ (وحدة العائلة خلف الحدود) في حالة ما إذا ظهر أن بعض أفراد العائلة حاصلون على شهادة الجنسية مع سحب الوثائق (أي الجنسية) والاحتفاظ بها لدى وزارة الداخلية، وكذلك تضمن القرار أمرا بفتح النار على من يحاول العودة إلى الأراضي العراقية من المسفرين.
ومن الجلي أن هذا القرار يعد خلافا للقانون الدولي وللإعلان العالمي لحقوق الإنسان من خلال تجريد المواطنين من حقوق المواطنة، وسلب الوثائق الخاصة بهم فضلا عن نزع الجنسية.
أما الأمر الأكثر خطورة في هذا القرار فهو تضمنه فقرة تنص على عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير الذين تتراوح أعمارهم بين (18) إلى (28) عام، والاحتفاظ بهم في مواقف المحافظات إلى إشعار آخر، وعلى هذا الأساس تم احتجاز عشرات الآلاف من الشباب والذين بقي مصيرهم مجهول إلى سقوط النظام عام 2003، إذ اتضح فيما بعد تصفية معظمهم خلال المدة الممتدة من عام 1980 إلى 2003.
وأقدمت الحكومة العراقية على مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمهجرين، وشكلت هيئة لوضع اليد على أملاكهم باسم (إدارة أموال المهجرين)، وقد أشار المقرر الخاص لحقوق الإنسان (فان دير شتويل) في بعض تقاريره حول انتهاك حق الملكية في العراق حيث ورد (لقد تضررت عدة مجموعات في الماضي بانتهاكات حقوق الملكية، وكان من بين الضحايا أفراد وأسر بل طوائف وقرى كاملة ممن يعتبرون مذنبين بالتبعية، حيث يتعرضون لسياسة عقاب واسعة النطاق، وقد نفذت بانتظام مصادرة الممتلكات أو تدميرها لعقوبة سلطة على المجرمين المزعومين، وفي موجة الإبعاد التي حصلت في أوائل نيسان عام 1980 جرد جزء كبير من أفراد الطائفة الشيعية التي قيل إنهم من تابعية ايرانية من ممتلكاتهم تعسفا).
وقد تبع هذا القرار قرارا آخر في 7/5/1980 وهو القرار رقم (666) الذي نص على إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب وأهداف الثورة، وهو بذلك يخالف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نصت مادته الـ (15) على حق كل فرد في التمتع بجنسية ما وعدم جواز حرمان أي شخص تعسفا من جنسيته أو من حقه في تغييرها.
ثانيا: على صعيد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية:
لم تخلُ تلك الحقبة من انتهاكات صارخة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطن العراقي، ومنها على سبيل المثال قرار مجلس قيادة الثورة رقم (1149) في 29/10/1975، الذي نص على عدم الاعتراف بالشهادة التي يحصل عليها الطالب العراقي عن طريق التمتع بزمالة أو منحة أجنبية أيا كانت ما لم يكن التمتع بها قد تم بموافقة وزارة التعليم والبحث العلمي، ولم يكتفِ القرار بذلك وإنما نص على عقوبة السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات، ولا تزيد عن خمس عشرة سنة لمن يقبل بالزمالة أو المنحة الدراسية من دولة أو جهة أجنبية دون موافقة السلطات المختص.
ونخص بالذكر في هذا الصدد مجموعة القرارات التي أجحفت حقوق المرأة العراقية، ومنها قرار مجلس قيادة الثورة رقم (150) والصادر في 28/ 1/ 1980 الذي نص على حرمان كل عراقية تتزوج من أجنبي من الخدمة في الدوائر الرسمية وشبه الرسمية ومؤسسات القطاع العام الاشتراكي.
وبعد هذا القرار بعام أقدمت السلطات العراقية آنذاك على إجراء غريب آخر والمتمثل بالقرار رقم (474) والصادر في 15/4/1981 الذي نص على أن يصرف للزوج العراقي المتزوج من امرأة من التبعية الإيرانية مبلغ قدره أربعة آلاف دينار إذا كان عسكريا وألفان وخمسمائة دينار إذا كان مدنيا في حال طلاق زوجته أو في حال تسفيرها خارج القطر.
ولم يقف الأمر عند ذلك الحد وإنما استتبعت تلك القرارات بقرار آخر وهو القرار رقم (1610) الصادر في 23/12/ 1983، الذي منع المرأة العراقية المتزوجة من غير العراقي من نقل ملكية أموالها المنقولة وغير المنقولة إلى زوجها غير العراقي أو إجراء أي تصرف قانوني يؤدي بالنتيجة إلى نقل تلك الأموال أو جزء منها إلى الزوج، وحرم القرار الزوج من حقه في التركة عند وفات الزوجة.
ومن خلال هذه القرارات يتضح لنا أنها رسخت مبدأ اللامساواة، وأدت إلى تفكيك الأسرة فعليا، في حين يقضي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة (15) عن وجوب حماية الأسرة ومساعدتها باعتبارها الوحدة الأساسية في المجتمع، مشددا على صيانة حقوق الطفل وضمان رعايته وتنشئته.
ولا يفوتنا أن نشير إلى سلسلة القرارات التي تم اتخاذها إبان الحرب العراقية الإيرانية بعد عام 1980 التي تحرم الإنسان العراقي من أبسط حقوقه وهو حق الحياة ومنها:
-
القرار رقم (651) الصادر في 2/10/1981 والقاضي بإعدام كل من ينسحب أثناء العمليات العسكرية من ميدان المجابهة.
-
القرار رقم (83) الصادر في 10/1/1981، والقاضي بإعدام كل عسكري يحاول التسلل أو تسليم نفسه إلى إيران.
-
القرار رقم (1370) الصادر في 13/12/1983، والقاضي بإنزال حكم الإعدام على جرائم الهروب إلى جانب (العدو) أو من الخدمة العسكرية أو التآمر أو التجسس على الدولة أو الأمن الخارجي أو الداخلي أو الانتساب إلى حزب الدعوة العميل.