banarlogo

الجراح الزمانية والمكانية ومأساة الإنسان العراقي في حقبة نظام البعث

د. عبد الخالق كاظم إبراهيم

تُشكّل الجراح الزمانية والمكانية مفهوماً مركزياً في الدراسات التاريخية والاجتماعية، إذ تعبر عن الأثر العميق الذي تتركه الأحداث العنيفة والصراعات في الذاكرة الجماعية والنسيج الجغرافي للمجتمعات، ولدورها في تشكيل الخطاب السياسي والثقافي، إذ تستخدمها المجتمعات بهدف الحفاظ على الذاكرة والاعتراف بالمعاناة، أو لمحاولة تجاوز الماضي وآلامه. فــ”الذاكرة الإيجابية هي ذاكرة جمعية، اجتماعية، غير منكسرة حد الانقطاع في انحناءات الماضي، وغير منكوسة في متاهات هزائمه، وليست مغفلة أو غافلة عن آلامه وجروحه، لكنها في الوقت ذاته تفكك ذات الآلام إلى: (حقوق، وجزاءات، وعبر، وظروف واشتراطات لواقع كانت له حساباته الخاصة)، وتركز على الوقائع والمواقف التي يمكن أن تُلهم الحاضر والمستقبل بالديمومة والنضال من أجل الأحسن، وتعين في تحمل التحديات التي تواجه بناء الدولة وبسط العدل والاستقرار في ربوع البلاد”
فالجرح الزماني يشير إلى الأثر النفسي والاجتماعي الذي تخلفه الحروب، والإبادة الجماعية، والكوارث التاريخية، إذ يظل الماضي حاضراً في الوعي الجمعي، ومؤثراً في تشكيل الهوية والتفاعلات الاجتماعية عبر الأجيال. وتتجلى الجراح الزمانية في حقبة البعث من خلال الإبادة الجماعية، والقمع السياسي، والمجازر، والاعتقالات التعسفية، والحروب المدمرة، والاضطهاد الطائفي، والتشريد القسري، والإعدامات الجماعية، وآثار الحصار الاقتصادي، فهي تلك الذاكرة المثقلة بالخوف والالم والعذابات، فقد حاول نظام البعث سحق الشخصية العراقية وسعى إلى “تشويه معالم الإنسانية وحاول بكل الوسائل الاجرامية وغير الأخلاقية الاستيلاء على الماضي والحاضر والمستقبل ومصادرة الواقع والافاق في سبيل تحقيق مصالحه الخبيثة وافكاره الهدامة” .
أما الجروح المكانية، فتتجلى في الأماكن التي شهدت هذه الأحداث، مثل المعتقلات وسجون التعذيب، والمقابر الجماعية، والمدن المدمرة، وانتهاك العتبات الدينية المقدسة، والقرى المهجرة ومواقع الإعدامات السرية، ومعسكرات الاعتقال، وآثار الأسلحة الكيميائية، والتي تتحول إلى مواقع ذاكرة تعكس تجارب الألم والمعاناة والمقاومة، “ويتم إحياء الذكرى عن طريق أي حدث أو واقعة أو بناء يستخدم بمثابة آلية للتذكير ويمكن أن يتم بشكل رسمي (مثل إقامة نصب تذكاري) أو غير رسمي (مثل بناء جدارية في مجتمع محلي) رسميا من طرف الدولة أو تلقائيا من طرف المواطنين” .
لقد شهد التاريخ العالمي المعاصر في القرن العشرين مجموعة من الطغاة الذين عرفوا بطابعهم الدموي المفرط، مثل هتلر وموسوليني وغيرهم. وقد شكل الطاغية صدام علامة فارقة من حيث الديكتاتورية والمجازر الدموية والعنف والخراب، فقد عاش العراق أشد المراحل قسوة وظلما في تاريخه عندما استولت زمرة البعث الصدامي، فهو بحق “نظاماً دموياً، لم يسجل التأريخ له مثيلاً في أية دولة أخرى”  إذ تمثل طغمة البعث أعتى طغمة ظالمة تسلطت على رقاب العراقيين على مدار عقود من الزمن .
وقد تم التعتيم المطلق على تلك المرحلة داخليا وخارجيا في حينها، ولا تزال أحداث وجرائم تلك المرحلة مغيبة عن الوعي الاجتماعي. و”لم يدفع شعب من شعوب الدنيا ثمن وجوده وبقائه وعيشه إلا أبناء العراق الذين لاقوا في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين عسفا وخوفا لا يمكن تخيله أبدا” ولم تتوقف تلك الجرائم في داخل العراق، وإنما امتدت إلى المحيط الإقليمي والدولي الذي تواطأ على دعم المجرم صدام، إذ “رغم تفاقم حالات الاختفاء والتغييب القسري والقتل المجاني كان صمت العالم يثير الدهشة، ولم يهتز ضمير الدول التي كانت تمد العراق بالسلاح والعتاد والمعلومات الفضائية …”.
بدأت المرحلة الإجرامية الكبرى في تاريخ العراق المعاصر منذ انقلاب حزب البعث إلى الحكم عام 1968 م حتى إسقاطه عام 2003 م، وقد فعل من الجرائم ما لم يسبقه أحد في التاريخ، وأصبحت الاعتقالات والإعدامات لأسباب لا تصدق، وقاد منذ توليه الحكم حملات اعتقال مسعورة راح ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين؛ في سبيل نشر الخوف وبناء دولة الرعب “وقـد تعـدّت جرائمـه وطبيعتـه الدمويـة الفئـات السياسـية المعارضـة له، بل شـكّلت الغالبيـة السـاحقة للسـكان في العـراق، وتعـدّت مفهـوم القتـل الجماعي للرجـال والنسـاء والأطفال-الـذي يتبلـور معنـاه في مفهـوم (الإبـادة الجماعيـة) -إلى تدميـر الركائـز الاجتماعيـة والاقتصاديـة والثقافيـة، بـل إنَّ إجرامـه قـد وصـل إلى بيئـة العـراق مـن خـلال محـو العديـد مـن القـرى والقصبـات وكذلـك المدن، والتلاعـب بمجاري المياه كمـا هـو الحال في نهـري دجلة والفـرات فضلاً عـن شـط العـرب” .     ويعد مسار حزب البعث استكمالا لمسار الانقلابات العسكرية التي عرفها العراق، إذ لم يسجل للعراق أي عملية سلمية لتبادل السلطة قبل عام 2003م، وسجل أول انقلاب عسكري في الشرق الأوسط حينما قاد الفريق بكر صدقي انقلابا على وزارة ياسين الهاشمي في 28 تشرين الثاني 1936 . وشهد العراق منذ استقلاله ونهاية الاحتلال البريطاني في عام 1932 احد عشر انقلابا وخمسة دساتير وسبعة صراعات دولية مسلحة والعديد من الانتفاضات الداخلية، وعندما استولت زمرة البعث على مقاليد السلطة عام 1968 كانت أشد قمعا من أي نظام سابق، وقام الطاغية صدام وأعوانه ببناء دولة معقدة تقوم على المحسوبية، وتقودها حكومة القرية، وتتسم بدرجة استثنائية من العنف، إذ حكم أعضاء قيادة حزب البعث من خلال نظام “الترهيب والترغيب”، مع استخدام التعذيب والإعدام خارج نطاق القضاء والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري على نطاق واسع لفرض الطاعة وتكميم أفواه المعارضين في شتى أنحاء العراق.
وتلك الآلام والمآسي تتطلب جهودا علمية توثق الجرائم التي اقترفها الطاغية صدام بحق الشعب العراقي، وتعريف الأجيال بحالة التعتيم التي مارسها النظام بشتى الوسائل. وبعد مرور أكثر من عقدين من الزمن على إسقاط نظام البعث لم يتم القيام بجهد مؤسسي يوثق حقائقها المغيبة بما فيها من خفايا رهيبة لم يتعرف عليها العالم إلى الآن، وحتى أنها غائبة عن كثير من العراقيين ممن عاصروا تلك المرحلة، “ولعـلَّ مـن أول مهـام التصــدي لجرائـم البعـث في العـراق هـو بيـان المظالم التـي تعـرَّض لها الشعب العراقـي للأجيال الجديدة، عـبـر الإفـادة مـن تخصصـات معرفيـة مختلفـة”. فإذا كان الضحايا أحياء ولم يتم توثيق مظلوميتهم، فكيف يتم حفظها وايصالها للعالم وللأجيال اللاحقة؟ الأمر الذي يجعل على عاتق المعنيين مسؤولية كبرى وأمانة عظيمة، ويستدعي ضرورة العمل المؤسساتي من خلال تدوين جميع التفاصيل عن تلك الفئات التي كانت ضحية ذلك النظام الإجرامي. وهذا يتطلب تظافر الجهود الأكاديمية والجهات المعنية؛ لغرض الاستفادة منها في توثيق جرائم النظام البعثي، ولا سيما أن كثيراً من الأشخاص الضحايا على قيد الحياة، ويمكن تدوين إفاداتهم وشهاداتهم للتاريخ وحتى تكون بين أيدي الباحثين، ولا تتعرض تلك الحقائق للنسيان؛ “لأننـا حينمـا ننسـاها سـنقع بتكـرار ما جـرى، فالأجيـال الجديـدة لم تـدرك الجرائـم التـي تعـرّض لهـا الشـعب مـن زمـرة البعـث الإجرامـي، وعلـى الرغـم مـن أنَّ الوقـتَ قـد تأخّـر لمحاولـة تأسـيس منهجـي لدراسـة جرائـم البعـث، إلا أنـه يبقـى مـن الضرورات” .
والتجربة المعرفية العراقية لا تزال تجربة متواضعة قياسا بحجم الخراب والدمار الذي خلفته حقبة البعث من جرائم إبادة جماعية، وتعد المقابر الجماعية التي يقدر عددها بـأكثر من (250) موقعا تم اكتشافه، ويضم أكثر من (300) ألف ضحية، “واحدة من أكثر صفحات العنف البعثي رعبا، لما تعنيه من رصد لكل ممارسات البعث الدموية في قتل الأعداد اللامحدودة من العراقيين، بل حتى الأجانب” .ونظرا لكثرة جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية ولا سيما التي ارتكبها النظام البعثي الشمولي فقد كان العراق من أوائل بلدان العالم بالمقابر الجماعية؛ إذ تخطى عددها مئات المقابر الجماعية المكتشفة ولا يزال كثير من المقابر لم يتم فتحها أو اكتشافها). وتعد المقابر الجماعية أبرز الأدلة التوثيقية، إذ تم دفن آلاف الضحايا من الشيعة وكذلك الأكراد الذين استُهدفوا خلال حملات القمع، وقامت بعض المنظمات المحلية والدولية بأرشفة هذه الجرائم، لكنها لا تزال بحاجة إلى توثيق علمي ومنهجي ودراسات أكثر شمولًا.
ولا شك أن المتاحف والمراكز التوثيقية لها دور كبير في توثيق تلك الحقبة المظلمة، وهناك محاولات لتأسيس مراكز توثيقية، مثل متحف سجن نقرة السلمان الذي يروي فظائع النظام السابق، وبعض المؤسسات الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية التي بدأت في جمع الشهادات والأرشفة الرقمية للوثائق المتعلقة بجرائم البعث، كما هو الحال مع المركز العراقي لجرائم التطرف التابع للعتبة العباسية المقدسة. أما مؤسسة الذاكرة العراقية فلم يبقَ لها سوى موقع على الإنترنت، ليس فيه ما يوحي بنشاط ملموس. الأمر الذي يضع تساؤلات عن الوثائق التي بعهدتها، وبتاريخ 2 مارس 2025 تساءل الإعلامي حميد عبدالله على موقعه في منصة أكس عن مصير وثائق وارشيف مؤسسة الذاكرة العراقية قائلا: سؤال سيظل حائرا لا أحد يمتلك الإجابة عن: أين اختفت وثائق وأرشيف مؤسسة الذاكرة العراقية التي انفقت الدولة ملايين الدولارات عليها، التي كان مصطفى الكاظمي مديرها التنفيذي؟!!، مؤكدا أن حراسة الذاكرة لا تقل أهمية عن حراسة الثغور!!!.
يوجد في إقليم كردستان متاحف ومواقع عدة تخلّد ذكرى الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها نظام الطاغية صدام ضد المكون الكردي، وتسهم في توثيق التاريخ لضمان عدم تكرار مثل هذه الفظائع في المستقبل، ويمكن القول إن الكورد نجحوا “في إبراز صورة تضحياتهم ومقابرهم الجماعية واعطائها الاهتمام المناسب”. سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي، على الرغم من أنهم تخلصوا من قبضة النظام في عام 1991، إلا أن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها الطاغية صدام طيلة مدة حكمه بحق الأغلبية الشيعية في العراق لم يتم إظهارها وبيان المظلومية التي تعرضوا لها، إذ إن هناك جرائم لا تحصى وعشرات القرى في الجنوب قد تعرضت إلى الإبادة الجماعية لم يتم الحديث عنها، بالإضافة إلى جرائم الإبادة الجماعية الأخرى،  مع عدم انكار الجهود التي يقوم بها المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف من مشاريع توثيقية ومعرفية, فضلاً عن المؤتمرات والندوات التي يقيمها من أجل توثيق جرائم نظام البعث والجماعات الارهابية بعد 2003م التي ارتكبت بحق العراقيين كافة,  ومن أبرز المتاحف في إقليم كردستان “متحف الأمن الأحمر في السليمانية”، وكان سابقًا مقرًا لمديرية الأمن العام، ويُعتبر رمزًا للدموية نظرًا لما شهده من عمليات تعذيب وإعدام، وكذلك متحف حلبجة الذي يُخلّد ذكرى الهجوم الكيميائي على المدينة عام 1988، الذي أدى إلى مقتل آلاف المدنيين. ويهدف إلى توثيق هذه الجريمة المروعة من خلال عرض صور، ووثائق، ومقتنيات تبرز معاناة الضحايا وتفاصيل الهجوم, ونقلاً عن نينا نيوز يوجد متحف في شارع المتنبي ببغداد يضم مقتنيات تعود للطاغية صدام ورموز نظامه، بما في ذلك مشهد حقيقي للحفرة التي اعتُقل فيها، وقفص الاتهام والكرسي الذي كان يجلس عليه أثناء المحاكمة. وهناك مسابقة عالمية لتصميم متحف في بغداد يوثق جرائم نظام صدام، ويهدف إلى توثيق ذاكرة المكان والزمان المرتبطة بجرائم النظام القمعي، ويخلد ذكرى الضحايا الذين واجهوا الظلم والاستبداد، إذ سيتم تحويل المبنى الخاص بمقر ما كان يعرف بـ (الشعبة الخامسة) إلى متحف كبير؛ ليكون شاهداً على إجرام النظام البعثي، ويجسد تضحيات معارضي النظام الديكتاتوري، وسيحتفظ المتحف بكل الوثائق والأدلة التاريخية وأدوات التعذيب والشواهد الأخرى؛ لتكون شاهداً حياً للأجيال وللتاريخ على مآسي حقبة الطغيان البعثي.
المصادر:
1- بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، دار الكتب الجديد، بيروت، ط1، 2010.
2- جبار حردان سلمان راشد، العدالة الانتقالية والتحول الديمقراطي في العراق سلسلة إصدارات الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة، الدائرة الإعلامية (9)، ط1، 2021-1443هـ.
3- حسن شبَّر، أساليب الطغاة في تعذيب الدعاة، دار السلام، بيروت، لبنان، ط1، 2008.
4- حامد سالم الزيادي، جذور الطغيان في العراق ـ نظرة تاريخية، دار الشؤون الثَّقافية، بغداد، العراق، ط1، 2010.
5- رائد عبيس، دليل المقابر الجماعية في العراق (مرحلة حكم البعث)، سلسلة إصدارات المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف/ العتبة العباسية المقدسة، دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1444هـ-2023.
6- صالح الخاقاني، حزب البعث تاريخ العنف والإرهاب، سلسلة إصدارات الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة، الدائرة الإعلامية (21)، د.ت.
7- عبد الله حميد العتابي، خفايا الانتفاضات والانقلابات في زمن البعث 1968-2003، سلسلة إصدارات الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة، الدائرة الإعلامية (8)، ط1، 2021م-1443هـ.
8- قيـس ناصر، عبد الهادي معتوق، التأسيس المعرفي لدراسة جرائم حزب البعث في العراق، مقدمة عامة، سلسلة إصدارات المركز العراقي لجرائم التطرف، العتبة العباسية المقدسة، قسم الشؤون الفكرية والثقافية، دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 1444هـ، 2023م.
9- ميدل ايست ووتش، حقوق الإنسان في العراق، نيوهيفين: مطبعة جامعة ييل، 1990. نقلا عن: تقرير عن إنشاء المحكمة الجنائية العراقية العليا وأولى محاكماتها، المركز الدولي للعدالة الانتقالية، 2005.
10- محمد عبد فيحان، الخطاب البعثي في الإعلام العراقي، سلسلة إصدارات الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة، الدائرة الإعلامية (6)، د.ت.
11- نعمة العبادي، بناء الذاكرة الإيجابية.. تحديات وأدوار نحو مشروع لبناء ذاكرة إيجابية تساهم في بناء الوئام والاستقرار، حديث الذاكرة، مجلة فصلية تصدر عن الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة، عدد: 4، كانون الأول 2023.
12- نوربيير سيلامي، المعجم الموسوعي في علم النفس، دراسات نفسية وفلسفية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ط1، 2002.