banarlogo

التغييب القسري لرموز الحوزة العلمية: الشيخ علي الأحمدي الشاهرودي أنموذجاً

أ.د. حسين الزيادي

   تعد ظاهرة التغييب القسري التي استهدفت رموز الحوزة العلمية في النجف الأشرف إبان حكم نظام البعث واحدة من أقسى أدوات القمع السياسي والفكري التي سُخرت لمحاصرة المؤسسة الدينية وتجريد المجتمع من قياداته الروحية ، ولم يكن التغييب مجرد إجراء أمني عابر، بل كان استراتيجية ممنهجة لإحداث فراغ قيادي، إذ جرى اختطاف العلماء والفقهاء من أروقة الدرس ومنابر التوجيه ليُزج بهم في غياهب السجون والمعتقلات السرية، دون أدنى مراعاة لمكانتهم العلمية والاجتماعية أو سنهم، وهذه الرموز وإن غابت جسداً إلا أنها تحولت من مشاريع علمية وفقهية إلى منارات خالدة في الذاكرة العراقية، ولاشك أن دراسة هذه الظاهرة من منظور جنائي وحقوقي يعد واجباً وطنياً واخلاقياً وشرعياً لاستكمال أركان العدالة الانتقالية، وتوثيق حجم التضحيات التي قُدمت في سبيل الحفاظ على هوية الحوزة العلمية وكرامة الإنسان ، وشاهداً على حقبة زمنية ساد فيها الاستبداد واغتيلت فيها الكلمة الحرة، وتتجلى المأساة في أن كثيراً من هؤلاء العلماء وفضلاء الحوزة الدينية في النجف الأشرف ظلوا مجهولي المصير لعقود؛ مما حول قضيتهم من مجرد انتهاك حقوقي إلى قضية إنسانية، تستوجب التوثيق الرصين لبيان حجم التضحيات التي قدمتها الحوزة العلمية في مواجهة الظلم والطغيان، وحفظاً لتلك الهوية العلمية من الضياع أو النسيان.
  إن توثيق هذه المجازر يكشف عن نمطٍ إجرامي يتجاوز القتل التقليدي إلى مرحلة التعذيب النفسي للضحايا ولذويهم؛ إذ يظل المصير مجهولاً لسنوات خلف جدار التغييب القسري.
الشيخ علي أصغر الأحمدي الشاهرودي
 في طليعة النخب العلمية لحوزة النجف الأشرف التي غيبت في عام 1991م ولم يعرف مصيره إلا بعد سقوط النظام عام 2003م، يبرز اسم الشيخ علي أصغر الأحمدي الشاهرودي الذي لم يكن مجرد فقيهٍ يشار إليه بالبنان في أروقة البحث الخارج، بل كان مضرباً للأمثال في الأدب الجمّ والتواضع، وقد جسد الشهيد روح المقاومة الوجدانية من خلال إصراره التاريخي على البقاء في رحاب النجف الأشرف، معتبراً أن الحفاظ على الحوزة العلمية واجب عيني لا يقبل المساومة، وانتهى به المطاف شهيداً لا يعرف له قبر.
 
نسبه ونشاطاته الفكرية والثقافية
هو الشيخ علي أصغر ابن الشيخ محمّد تقي بن الملّا عباس علي الأحمدي الشاهرودي، والده الشيخ محمّد تقي أحد أبرز العلماء الفضلاء من تلامذة الآخوند الخراساني، ولد عام 1342ﻫ / 1924م، متزوجاً وله (9) من الذرية، وأكمل دراسته الحوزوية العليا في النجف الأشرف، وقام بتدريس العلوم الدينية فيها، ومن أساتذته السيّد حسين البروجردي، والسيّد الحجّة الكوهكمري، والسيّد محمود الشاهرودي، ويعد (رحمه الله) من أبرز تلامذة السيّد الخوئي وأحد أعضاء مكتبه في الاستفتاءات، عُرف كأستاذ بارز في العلوم الدينية، مارس التدريس في حوزة النجف الأشرف، وله العديد من المؤلفات منها: تقريرات درس أساتذته في الفقه والأُصول، وبحث في الربا، ورسالة في الرجال،  وكتاب في الطهارة، وكتاب في النكاح، وله العديد من النشاطات الثقافية والفكرية وهو عضو هيئة الاستفتاءات في مكتب آية الله العظمى السيد الخوئي كان من أهل الخبرة الثقات العدول.
وكان يسكن في محلة الحويش العريقة، ومنها بدأت فصول تغييبه القسري؛ إذ أقدمت أجهزة نظام البعث الجائر على اختطافه من مدرسته الواقعة في المحلة ذاتها (بالقرب من مدرسة الآخوند)، ليواجه بعدها مصير التصفية الجسدية، ملتحقاً بقافلة علماء النجف الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل العلم والعقيدة، كان (رحمه الله) يرى الحفاظ على الحوزة العلمية في النجف من الواجبات العينية، فكتب لنجله بعد أن طلب منه مغادرة العراق بسبب مضايقات نظام البعث ما نصه: (إنّني لن أُغادر النجف حتّى الموت، وحتّى لو غادر السيّد الخوئي النجف الأشرف فلن أُغادرها أبداً).
اعتقل (قدس سره) من قبل أزلام النظام البعثي في العراق عام (1412ﻫ / 1991م)، وانقطعت أخباره، وبعد سقوط نظام البعث عام (1423ﻫ / 2003م)، تبيّن أنّه قد نال شرف الشهادة في مدة الاعتقال ولم يُعلم مكان دفنه.
تفاصيل الاستشهاد:
تُمثل جريمة تصفية الشيخ علي أصغر الشاهرودي واحدة من أكثر فصول التصفية الجسدية دموية وبشاعة في سجل نظام البعث الجائر، فقد استشهد وله من العمر (87) عاماً، ووفقاً لشهادات الشهود الموثقة، والمصادر التي وثقت لشهداء الحوزة العلمية في النجف الأشرف فقد اعتقل الشيخ وانقطعت أخباره منذ عام 1991م(1).
مقاربة قانونية
تُعد جريمة تصفية العالم من قبل الأجهزة القمعية لنظام البعث نموذجاً صارخاً لإرهاب الدولة الممنهج؛ وهو المصطلح القانوني الذي يصف استخدام السلطة لأدواتها الرسمية كالأمن والمخابرات لتنفيذ عمليات إبادة خارج نطاق القضاء ضد مواطنيها، وهذه الجريمة تعد انتهاكا صارخاً لجوهر الكرامة الإنسانية التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتحديداً في المواد الآتية:
  1. المادة (3): لكل فرد الحق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه (والتغييب القسري والتصفية الجسدية تشكل سلباً متعمداً ومروعاً لأسمى حقوق الإنسان وهو الحق في الحياة).
  2. المادة (5): لا يجوز تعريض أحد للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحط بالكرامة.
  3. المادة (9): لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفاً (عملية سحب الشيخ من مدرسته في محلة الحويش بالنجف الأشرف واختطافه تعد اعتقالاً تعسفياً وقسرياً).
ووفقاً لمبادئ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966م، وبما أن العراق طرف في هذا العهد وملزم بالالتزام بمواده منذ عام 1971م، فإن نظام البعث الجائر ارتكب خروقات جسيمة للمواد الملزمة الآتية:
  1. المادة (6/ الفقرة 1): الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً.
  2. المادة (7): لا يجوز تعرض أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
  3. المادة (18/ الفقرة 1): لكل إنسان حق في حرية الفكر والوجدان والدين (استهداف العلماء والفضلاء في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف بسبب نشاطهم الفكري والديني يعد انتهاكاً لهذه المادة).
المصادر
  1. شهداء العلم والفضيلة في العراق، تسلسل (5)، ص30.
  2. معجم رجال الفكر والأدب في النجف 2 /704.
  3. الحكيم، صاحب، موسوعة عن قتل واضطهاد مراجع الدين وعلماء الحوزة العلمية لشيعة بلد المقابر الجماعية (العراق) 1968 -2003، ج2، ص957-958.
  4. صفحة رياض العلماء علي أصغر الأحمدي
  5. المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)، كتاب شهداء العلم والفضيلة في العراق، ص30
ورد اسم الشهيد في تقرير منظمة العفو الدولية الموسوم بـ: (فقدان علماء الدين وطلاب العلوم الدينية في العراق)، والمنشور باللغة الإنجليزية تحت عنوان:
Disappearance of Shi’a Clerics and Students – IRAQ
يحمل هذا التقرير الرقم المرجعي الدولي: (Index: AI MDE 14/20/30)، والصادر في نيسان من عام 1993م. وقد أُدرج اسم الشهيد ضمن القائمة الملحقة بالتقرير المذكور، إذ تسلسل اسمه الرقم (59) (تاسع وخمسون) في كشوفات المنظمة الدولية؛ مما يوثق جريمة التغييب القسري التي تعرض لها على يد أجهزة نظام البعث الجائر كوثيقة إدانة دولية ثابتة (موسوعة عن قتل واضطهاد مراجع الدين وعلماء الحوزة العلمية، صاحب الحكيم).
(1)  شهداء العلم والفضيلة في العراق، تسلسل (5)، ص30.