أ.د. حسين الزيادي
تمثل زيارة النصف من شعبان محطة إيمانية كبرى تجسد ذروة التواصل الروحي لملايين المؤمنين من اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، إذ ينظر إلى ليلة النصف من شعبان بوصفها تمثل محطة تجديد العهد بالإمام القائم (عليه السلام)، إلا أن هذه الزيارة تحولت بجماليتها وفرحها إلى هدف استراتيجي يسيل لها لعاب التطرف والتكفير، فأخذت تلك الجماعات تستغل الزخم البشري لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا بين صفوف الزائرين.
استراتيجية الاستهداف
اتسمت العمليات الإرهابية الموجهة ضد زوار النصف من شعبان بقسوتها وبمحاولة كسر الحالة المعنوية، فبينما يخرج الناس احتفاءً بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)؛ كان الإرهاب يترجم معارضته لهذه العقيدة إلى فعل مادي ملموس يهدف إلى بث الرعب وإيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية بين صفوف الزائرين، وكان الفكر التكفيري المتطرف يبذل جهده لتحقيق أهداف محددة أبرزها: قتل أكبر عدد من اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ومحاربة فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) وفق السياقات التي نصت عليها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فضلاً عن محاولة زرع الفتنة الطائفية.
جغرافيا البؤر الإرهابية لاستهداف الزائرين
توزعت العمليات الإرهابية ضد زوار الزيارة الشعبانية في محاور عدة، علماً أن تلك المحاور لم تقتصر على مرحلة الزيارة الشعبانية، بل كانت دائماً مصدر للإرهاب خلال مدة الدراسة:
-
محور بغداد – كربلاء : سمّي هذا المحور خلال تلك المرحلة بمثلث الموت (جنوب بغداد – شمال بابل): وبؤر هذه المحور هي الطرق الرئيسة التي يتخذها الزوار ممرا لهم باتجاه كربلاء وتشمل: (اللطيفية، والمحمودية، والإسكندرية، والحصوة)، وهذه المناطق كما يتضح من سير العمليات الإرهابية تُنصب فيها كمائن مسلحة وعمليات اختطاف للزوار، ولاسيما بالنسبة للسائرين على الأقدام، فضلا عن المركبات المفخخة، ومن العمليات المهمة التي شهدها هذا الطريق في زيارة شعبان 2005، تعرض مواكب الزوار في منطقة اللطيفية إلى هجمات بأسلحة رشاشة أدت إلى سقوط عشرات الشهداء والجرحى، وقد طالت تلك العمليات الزوار الأجانب، ففي عام 2006 قُتل (13) زائراً باكستانياً وهندياً برصاص مسلحين مجهولين في تلك المنطقة.
-
محور حزام ديالى (طريق بعقوبة – بغداد): هذا الطريق يعد معبراً رئيساً للزوار القادمين من إيران عبر منفذ المنذرية، أو معبراً للزوار من محافظة ديالى، وأغلب حوادث الاعتداء على زوار الشعبانية كانت في الطرق المارة بخان بني سعد وبهرز، وتميز هذا الطريق بكثرة العبوات الناسفة التي تستهدف حافلات النقل الجماعي المتجهة إلى كربلاء.
-
محور بابل (جرف الصخر والمسيب): مثلت هذه المناطق منطلقاً للعمليات الانتحارية والقصف بالهاونات الذي استهدف قوافل الزوار المارين عبر مدينة الحلة والمسيب وصولاً إلى كربلاء، إذ كانت هذه المنطقة تُستخدم قاعدة لانطلاق الانتحاريين ومصنعاً للعبوات الناسفة التي تستهدف مدينتي كربلاء والمسيب والمحاويل، وهي منطقة مفتوحة على أراضٍ صحراوية تمتاز بكثافة البساتين وتفرع الأنهر جعلت من الصعب ملاحقة الخلايا الإرهابية.
-
مركز مدينة كربلاء (المدينة القديمة): شهد مركز محافظة كربلاء عمليات انتحارية بشعة، إذ استغل الإرهابيون الحشود المليونية خلال الزيارة الشعبانية، وكان الإرهابيون يتسللون بوصفهم زواراً لتنفيذ تفجيراتهم في قلب التجمعات، ومن أبرز تلك العمليات تفجير شعبان 2008 الذي قام به انتحاري في منطقة باب السلالمة القريبة من الحرمين الشريفين، إذ فجرت انتحارية نفسها وسط حشود الزوار.
-
بؤر حزام بغداد الشمالي والشرقي: هذا المحور يعدّ أقل المحاور من حيث العمليات الإرهابية لقلة الزوار التي تسلك هذا الطريق، وهذا الطريق استهدف الزوار القادمين من ديالى والمحافظات الشمالية.
الوسائل التي اتبعها الإرهابيون
-
الانتحاريون وسط الحشود: من الصعوبة تلافي هذه العمليات، إذ يندس الانتحاري وسط جموع الزائرين حاملاً تحت ثيابه متفجرات وأحزمة ناسفة، إذ يظهر من تتبع العمليات الإرهابية أن انتحاريين فجروا أنفسهم في نقاط التفتيش المزدحمة أو بالقرب من المواكب الخدمية الكبيرة.
-
القصف العشوائي بالهاونات: في بعض السنوات، تعرضت أطراف كربلاء لقصف بالهاونات انطلقت من مناطق صحراوية أو زراعية محيطة لإيقاع الخسائر بين صفوف الزائرين وترويعهم.
-
السيارات المفخخة المركونة: استغلال الطرق التي تسلكها الحافلات التي تنقل الزوار بعد انتهاء المراسيم، وتفجيرها أثناء رحلة العودة، أو ركن المركبات بالقرب من المواكب الخدمية.
أبرز العمليات الإرهابية التي طالت زوار الزيارة الشعبانية
-
عام 2006 أبطلت الشرطة مفعول عشر قنابل مزروعة على جانب طريق يسلكه الزائرون، زرعت هذه القنابل على جسر في اللطيفية لاستهداف زوار الشعبانية المتجهين إلى كربلاء.
-
عام 2008 فجّرت انتحارية نفسها بين مجموعة من الزوّار الشيعة المتوجهين إلى كربلاء للمشاركة في الزيارة الشعبانية؛ مما أسفر عن قتل وإصابة العشرات من المدنيين بينهم نساء وأطفال بالقرب من منطقة الإسكندرية جنوب بغداد
-
عام 2008 قتل ستة مدنيين عراقيين وأصيب عشرة آخرون بانفجار سيارة مفخخة كانت متوقفة على جانب طريق أثناء مرور موكب زوار متجهين إلى كربلاء لأداء الزيارة الشعبانية
-
عام 2007 فجر انتحاري بسيارة مفخخة سيارته بالقرب من شاحنة تقل زواراً متجهين لأداء الزيارة الشعبانية، قتل (30) زائراً على الأقل، وأصيب (39) آخرون في الكرادة.
-
عام 2009: قرب الحلة، فجر مهاجمون عبوتين ناسفتين مرتجلتي الصنع في آن واحد على حافلات تقل زواراً شيعة متجهين لأداء الزيارة الشعبانية انفجرت أول عبوة ناسفة على حافلة شمال الحلة، قتل مدنيان وأصيب (18) آخرون، وانفجرت العبوة الثانية على حافلة شمال الحلة، وأصيب ثمانية مدنيين. وأصيب (26) في كلا الهجومين، وألحق الهجوم أضراراً بكلا الحافلتين.
-
عام 2010: انفجرت سيارتان مفخختان في مدينة كربلاء قرب نقطة تفتيش، قتل (50) شخصاً وأصيب (24) آخرون، كان من بين القتلى ضابط في الجيش العراقي وست نساء.
-
عام2010: سقط صاروخان في محافظة كربلاء قرب مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، قتل سبعة زوار شيعة، وأصيب (46)، وتضرر عدد من المنازل المجاورة.