ضمن مشروعه العلمي لتوثيق الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها نظام البعث بحق العراقيين، أصدر المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، التابع لقسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة العباسية المقدسة، كتاباً بعنوان (علماء الدين ضحايا إجرام نظام البعث)، من تأليف الأستاذ عبد الهادي معتوق سلطان والحقوقي سعد سلطان، يوثق جانباً من الجرائم التي استهدفت علماء الدين والحوزات العلمية والشخصيات الدينية والفكرية في العراق خلال حقبة النظام السابق.
وقال الدكتور عباس القريشي، رئيس المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، إن نظام البعث مارس سياسات قمعية واسعة طالت مختلف فئات المجتمع العراقي، ولم تستثنِ العلماء وطلبة الحوزة العلمية وأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، الذين واجهوا الملاحقة والاعتقال والتغييب والاغتيال، فضلاً عن أساليب التعذيب والاضطهاد التي استهدفت إسكات الأصوات الرافضة لسياساته.
وأضاف أن إصدار كتاب (علماء الدين ضحايا إجرام نظام البعث) يأتي انطلاقاً من ضرورة توثيق هذه الجرائم وحفظ ذاكرة العلماء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم ومبادئهم، وإتاحة الفرصة أمام الأجيال القادمة للتعرف على ما تعرضت له المؤسسة الدينية في العراق من استهداف ممنهج، وما خلفته تلك الممارسات من آثار عميقة في الحياة العلمية والدينية والاجتماعية.
وأوضح القريشي أن هذا الكتاب لا يقتصر على عرض وقائع تاريخية، بل يسعى إلى تقديم مادة توثيقية تستند إلى مصادر وشهادات ووثائق متنوعة وموثوقة، بهدف إعادة بناء تفاصيل الجرائم وتثبيتها علمياً، بما يضمن حفظ أسماء الضحايا وتضحياتهم، ويتيح للباحثين والمهتمين دراسة تلك المرحلة وفهم طبيعة السياسات التي انتهجها النظام السابق بحق العلماء والمؤسسات الدينية.
وأشار إلى أن المركز يولي أهمية خاصة لتوثيق الجرائم التي استهدفت علماء الدين، لما تمثله هذه الفئة من مكانة علمية وفكرية واجتماعية، مبيناً أن استهدافها لم يكن موجهاً إلى أفراد بعينهم فحسب، بل امتد أثره إلى الحوزات العلمية والمجتمع العراقي، ومحاولات إضعاف دور المؤسسة الدينية في حفظ القيم، والوعي ومواجهة الظلم والاستبداد.
وتابع القريشي أن التوثيق مسؤولية أخلاقية وقانونية، لا تنتهي بجمع المعلومات وتسجيل الوقائع، وإنما تتطلب التحقق من المصادر، وحفظ الوثائق والشهادات وأرشفتها، وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية، حتى تكون المادة الناتجة مرجعاً علمياً موثوقاً يمكن الإفادة منه في البحوث والدراسات، ويسهم في حفظ حقوق الضحايا وصون الذاكرة العراقية.
وأكد أن المركز يواصل العمل على توثيق جرائم نظام البعث والانتهاكات التي تعرض لها العراقيون، بالتعاون مع الباحثين والمؤسسات العلمية والدينية وأسر الضحايا، مشدداً على أن استذكار العلماء الذين تعرضوا للاضطهاد والقتل والتغييب هو وفاء لتضحياتهم، وحفظ لإرثهم العلمي والإنساني، وشهادة تاريخية على ما ارتكبه النظام السابق من جرائم بحق العراق وأبنائه.
ويأتي هذا الإصدار ضمن سلسلة من الكتب والدراسات المتخصصة التي يعمل المركز على إعدادها لتوثيق جرائم التطرف والانتهاكات التي شهدها العراق، وتحويل الشهادات والوثائق والمصادر التاريخية إلى رصيد معرفي يحفظ حقوق الضحايا، ويعزز الوعي بتاريخ البلاد، ويتيح للأجيال المقبلة الاطلاع على الوقائع بعيداً عن النسيان أو طمس الحقيقة.