banarlogo

سجن نقرة السلمان: ذاكرة الألم وجغرافية الإبادة

3سجن نقرة السلمان ذاكرة الم

أ.د. حسين الزيادي

لم يكن سجن نقرة السلمان مجرد مبنى معزول في جوف الصحراء، بل كان مختبراً لتجريب أقصى درجات القمع البشري، وفي قلب هذه المنظومة، برزت شخصيات سادية غاية في الإجرام ومنها الملقب (عجاج التكريتي)، الذي لم يمارس التعذيب كواجب وظيفي فحسب، بل كنزعة سادية متجذرة في دواخله تتغذى على أنين الضحايا وآهات المعذبين ولا شك أن دراسة هكذا حالات تفتح الباب لفهم حقيقة تلك الحقبة الزمنية التي عاشها البلد في ظل من تتحول الغريزة العدوانية لديه إلى منهج عمل مؤسساتي يُمنح الشرعية من قبل أعلى مستويات السلطة.
سيكولوجية التلذذ بالألم
    في علم النفس السلوكي تُدرج الشخصيات التي مارست التنكيل المنهجي ضمن خانة السادية السريرية المرتبطة بهوس السلطة المطلقة؛ إذ تحول السجانون في معتقل نقرة السلمان إلى أدوات قمعية تتعامل مع الأجساد البشرية بعدّها موضوعات مادية لتفريغ شحنات العدوانية الكامنة، ويتضح أن ممارسة التعذيب في تلك الحقبة لم تكن مجرد وسيلة لانتزاع المعلومات، بل كانت آلية تعويضية عن مركبات نقص بنيوية، إذ لم يقتصر التلذذ هنا على البعد الحسّي، بل تجاوز ذلك إلى النشوة السيادية الناجمة عن السيطرة الكاملة مجموعة من البشر في بقعة جغرافية معزولة عن العالم.
وتأسيساً على ما تقدم فإن توثيق تلك الانتهاكات يعد واجباً ومسؤولية شرعية وأخلاقية وقانونية؛ لأن الجرائم لا تسقط بالتقادم، فضلاً عن كون توثيق تلك الانتهاكات يصبح استرداداً اعتبارياً ورمزياً لآلاف الضحايا الذين هُمشوا في تلك الصحراء القاسية.
الخصائص الجغرافية لسجن نقرة السلمان
تعد دراسة الخصائص الجغرافية لمنطقة (نقرة السلمان) مدخلاً أساسياً لفهم فلسفة العزل التي اعتمدتها الأنظمة القمعية؛ إذ استغلت الطبوغرافيا والمناخ المتطرف كأدوات تكميلية لعملية التنكيل البشري، فمن حيث الموقع الفلكي تقع المنطقة بين دائرتي عرض (°٣٠,٠٧ و °٣٠,٣٧) شمالاً، وبين خطي طول (°٤٤,١٥ و °٤٤,٥٢) شرقاً، وهذا الموقع يضعها في قلب النطاق الصحراوي الجاف؛ مما يفسر حدة الظواهر المناخية التي عانى منها المعتقلون، أما الموقع الجغرافي والإداري فالمنطقة تتموضع في الجزء الجنوبي الغربي من العراق، وتحديداً ضمن امتدادات الصحراء الجنوبية الغربية، وهي جغرافياً تعد امتداداً طبيعياً لهضبة البادية التي تلتقي عند أطرافها الشمالية الغربية بمنطقة السهل الرسوبي، تحدها من الغرب المملكة العربية السعودية، ومن الشرق محافظة النجف الأشرف، بينما تقع مدينة السماوة (مركز المحافظة) إلى الشرق والشمال الشرقي منها، وإذا كان قضاء السلمان يمتد على مساحة شاسعة تبلغ حوالي (٤٦,٩٢٨ كم²). فإن النقرة تبتعد عن مركز مدينة السماوة مسافة تقدر بـ (١٦٠ كم)، بينما تفصلها عن مركز مدينة النجف الأشرف مسافة تقارب (٢٠٠ كم) ، ولا يمكن فصل الموقع الجغرافي عن المناخ الصحراوي القاري الذي يميز المنطقة؛ إذ أدت العناصر المناخية أثرا في التطرف الحراري: إذ تتميز المنطقة بصيف لاهب تتجاوز فيه درجات الحرارة ٥٠°C، وشتاء قارس ينخفض إلى ما دون الصفر المئوي، وهو مما زاد من معاناة السجناء صيفاً وشتاءً؛ لذا فإن العزلة الطبوغرافية والإحاطة بالأسوار الطبيعية من الهضاب الصحراوية، جعلت من عملية الهروب منه انتحاراً جغرافياً، وزاد من شعور السجين بالانقطاع التام عن العالم الخارجي.
اعترافات عجاج وذاكرة الضحية
شهدت المحاكم العراقية قبل أيام قليلة الجلسة الافتتاحية لمحاكمة المتهم المدعو (عجاج حردان التكريتي)، الذي تولى مسؤولية سجن نقرة السلمان خلال حقبة الثمانينات، والمتهم بارتكاب جرائم تطهير عِرقي وإبادة جماعية لا تُعد ولا تُحصى بحق المعتقلين الكرد (المؤنفلين) والكرد الفيليين، وقد أفضت التحقيقات الأولية إلى اعترافات صادمة أدلى بها المتهم، منها:
  • أ‌- تعمد سياسة التجويع بمنح (صمونة) واحدة يومياً لكل معتقل.
  • ب‌- إرغام المعتقلين على شرب مياه ملوثة وآسنة.
  • ت‌- ارتكاب اعتداءات جنسية ممنهجة.
  • ث‌- استخدام كلاب مدربة لنهش جثث الضحايا، مصرحاً في التحقيق بأن الضحايا كانوا يستحقون الموت.
  • ج‌- تصفية آلاف الكرد الفيليين المعتقلين في السجن خلال عام (١٩٨٠).
شهادات الضحايا أمام القضاء:
بحسب المعلومات الأولية أدلى (٢8) ناجياً بشهاداتهم أمام القاضي، وكشفت هذه الشهادات عن وحشية مفرطة، نورد أبرزها:
١- الشاهد الأول: فقدت (٧) أفراد من عائلتي في سجن نقرة السلمان، ورأيت الكلاب وهي تنهش جثثهم أمام عيني.
2- الشاهد الثاني: كنا نعاني من عطش قاتل، فكان (عجاج) يرغمنا تحت تهديد السلاح، وبضغط حذائه على رؤوسنا للشرب من مياه المجاري والبرك الآسنة، وأضاف واصفاً دفن الأطفال: كنا نحفر بمِعول ومجرفة حفرة صغيرة لموتانا، وما إن نغادر حتى تأتي الكلاب لنبش القبور وأكل الجثث.
٣- الشاهدة الثالثة (نيشتيمان علي خورشيد): بينما كانت أمي ترضع أخي الصغير، قام المتهم بغرس سلك غليظ (كبيل) في وجنة أخي تاركاً ثقباً غائراً، ثم غرز السلك في ثدي أمي؛ مما تسبب لها لاحقاً بإصابتها بمرض السرطان الذي تعاني منه حتى اليوم.
٤- الشاهدة الرابعة (سلمى محمد روبيتان – ٦٤ عاماً): روت تعرضها للجلد بسوط المتهم وهي ترضع طفلها، وحين سألها القاضي: هل مات ابنكِ في تلك اللحظة؟ أجابت بحرقة: كلا، مات في اليوم التالي.
٥- الشاهد الخامس (رزگار): روى واقعة اقتياد الفتيات الجميلات من المعتقل تحت وطأة التهديد والاغتصاب من قبل المتهم وعناصره.
التوثيق المرئي والشهادات الإضافية:
تضمنت الأدلة فيديوهات لشهادات حية، منها: شهادة بقيام المتهم بشنق شاب وتقطيع جثته بـفأس أمام المعتقلين لبث الرعب، امرأة مسنة فقدت طفلين بسبب الجوع، وشهادة أخرى عن واقعة قتل طفلة بالـضرب بواسطة (كيبل) على رأسها فوراً؛ لأن والدتها رفضت تسليمها لعزلها عن بقية الأمهات.
التكييف القانوني لجرائم سجن نقرة السلمان:
أولاً: المسؤولية الدولية للنظام الحاكم وفق العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية:
بموجب انضمام العراق إلى العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، فإن نظام البعث قد انتهك مواداً غير قابلة للتعطيل وهي:
١. انتهاك الحق في الحياة (المادة ٦): عمليات الإعدام الميدانية، واستخدام الفأس، والشنق خارج إطار القانون، تمثل إهداراً صريحاً لهذا الحق الذي لا يجوز تقييده حتى في حالات الطوارئ.
٢. انتهاك حظر التعذيب (المادة ٧): تنص المادة على أنه لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة. إن إرغام المعتقلين على شرب مياه آسنة، واستخدام الكلاب لنهش الجثث، والاعتداءات الجنسية، هي جرائم تعذيب مكتملة الأركان.
٣. المسؤولية عن الاختفاء القسري: إن انقطاع أخبار آلاف الكرد الفيليين والمؤنفلين داخل نقرة السلمان يضع النظام تحت طائلة المسؤولية الدولية عن جريمة الاختفاء القسري المستمرة.
ثانياً: التكييف الجنائي للوقائع (جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية):
وفقاً لنظام روما الأساسي والمبادئ المستقرة في القانون الجنائي الدولي، تندرج أفعال عجاج التكريتي تحت التصنيفات الآتية:
١. جريمة الإبادة الجماعية: من خلال تعمد فرض أحوال معيشية منها (التجويع، والحرمان، ومنع الطبابة ومنع الاتصال بالعالم الخارجي) ويقصد منها إهلاك الجماعة إهلاكاً كلياً أو جزئياً.
٢- جرائم ضد الإنسانية: وتتمثل في (القتل العمد، والاسترقاق الجنسي، والتعذيب) المرتكب في إطار هجوم واسع النطاق وممنهج موجه ضد مجموعة من السكان المدنيين.
    إن مبادئ المسؤولية الجنائية لا تُعفى النظام من المسؤولية، ولا يُعفى المنفذ بذريعة تنفيذ الأوامر العليا؛ لأن قائد السجن والسجانين كانوا يملكون السيطرة الفعلية ولم يمنعوا الجرائم بل شاركوا فيها وباشروها بأنفسهم، وأنه لا يُقبل الدفع بأن الجاني كان ينفذ أوامر رؤسائه إذا كانت الأوامر غير قانونية بصورة ظاهرة، وجرائم قتل الأطفال واغتصاب النساء هي جرائم لا يمكن شرعنتها بأي حال من الأحوال.
   من جهة الإثبات تعد شهادات الضحايا أدلة إثبات قولية كافية لإدانة المتهم والنظام؛ لكونها تتسم بالتواتر؛ إذ تطابقت روايات الشهود حول استخدام وسائل التعذيب والأدلة المادية التي تدعم الشهادة القولية، وبهذا يمكن القول إن قضية المتهم عجاج التكريتي ليست مجرد محاكمة لشخص، بل هي إدانة قانونية لمنظومة أمنية استخدمت السجن كأداة للإبادة الجماعية، وإن هذه الاعترافات والشهادات تثبت أن النظام الحاكم قد خرق التزاماته الدولية (العهد الدولي) وتورط في جرائم (جنائية دولية) لا تسقط بالتقادم، مما يمنح الضحايا الحق في التعويض المعنوي والمادي، ويمنح التاريخ وثيقة إدانة غير قابلة للدحض.
المصادر:
  1. عبد الله خير الله مسير الركابي، نقرة السلمان 1921-1968- دراسة في أوضاعها الأمنية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، 2017م.
  2. قناة زاكروس الفضائية، المراسل أسامة أنور، بغداد https://www.facebook.com/zagrosnews.net/videos/1602187937521050
  3. قناة العهد، 20026، برنامج سقوط أقنعة الجلادين. https://www.facebook.com/watch/?v=1622749179023176
  1. قناة العراقية الإخبارية، لقاء مع أرشد الحاكم المتحدث باسم جهاز الأمن الوطني، والفريق سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني.https://www.google.com/search?sca_esv=dedd7ca837f28e21&sxsrf=ANbL-