banarlogo
زيارة الامام الكاظم زمن النظام البعث

أ.د. حسين الزيادي

الوثيقة المرفقة ربطاً صادرة من مديرية أمن الكاظمية وموجهة إلى كافة ضباط أمن المناطق بتاريخ10-4-1990، والوثيقة تحت عنوان (أمر)، ومحتوى الوثيقة يدور حول منع وملاحقة المشاركين في زيارة استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام).

قراءة في متن الوثيقة

أعلمتنا (الأمن العامة / ش 5) بأنه أعلمتها رئاسة الجمهورية: السكرتير ما يلي : أن مسيرة الكاظمية قد رتب وخطط لها ثلاثة مراجع طائفيين، وهنا يأتي دوركم في الكشف عن المخططين والمحرضين لهذه المسيرة بالأعداد والأشخاص، للعلم وتقصي الحقائق عن المسيرة المذكورة التي جرت بمناسبة وفاة الإمام موسى الكاظم في مدينة الكاظمية صباح يوم 21/2/1990 بالسرعة الممكنة لعرضها أمام أنظار السيد المدير العام المحترم للاطلاع والعمل بشكل دقيق لغرض كشف العناصر الطائفية التي خططت وحرضت المواطنين لمسيرة يوم وفاة موسى الكاظم بالأسماء لغرض فرز هذه العناصر، وذلك من خلال تقصي المعلومات من مصادرنا ومعارفنا وتشخيص العناصر الذين يروجون لمثل هذه المناسبات وتصويرهم بإبراز هذه الظاهرة والاهتمام بالموضوع وإعلامنا، ونسخ الوثيقة عممت إلى كافة ضباط أقسام الأمن لغرض إجراء اللازم كما يتضح من العبارة التي ذيلت بها الوثيقة.

تحليل الوثيقة

تكشف لغة الوثيقة أن نظام البعث تعامل مع زيارة الإمام الكاظم (عليه السلام) بوصفها تهديداً محتملاً للنظام السياسي، ونشاطاً محظوراً معادياً للنظام؛ لذا فإن الزائر عنصر قيد الاشتباه ومشروع لمعارضة النظام، لذا ينبغي مراقبته وفرزه، فضلاً عن أن نظام البعث كان يخشى زيارة الإمام الكاظم (عليه السلام) بوصفها فعلًا دينيًا قادراً على إحداث التعبئة الجماهيرية الرافضة لمنطق القمع والاستعباد؛ لذلك جرى التعامل مع زيارة الإمام الكاظم (عليه السلام) بوصفها خطرًا أمنيًا يستوجب التفكيك وتشخيص أفراده، وتحويل الشعيرة إلى ملف أمني استباقي، وتظهر تلك النظرة القمعية من خلال الكلمات التي تشبعت بها الوثيقة ( كشف، تقصّي، متابعة، تصوير، فرز)، ولا يوجد في الوثيقة ما يشير إلى اهتمام النظام بتنظيم الزيارة وإدارة الحشود، أو تسهيل المرور، أو توفير الحماية للزائرين، ويظهر أن هناك هوساً غير طبيعي أظهرته الوثيقة بعملية الرقابة الشاملة، وتشخيص العناصر المشتركة في إحياء شعائر زيارة الإمام الكاظم (عليه السلام)، وتصويرهم وتقصي المعلومات عنهم، ولم تكتف الوثيقة بذلك بل ذهبت إلى التوثيق والأرشفة وإنشاء ملفات خاصة عن المواطنين الذين يؤدون شعائرهم بسلمية وعفوية.

زيارة الإمام الكاظم (عليه السلام) في منظور حزب البعث

  يدخل نظام البعث بمؤسساته الأمنية مرحلة الاستعداد والتهيؤ خلال زيارة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، وتُمنع إجازات منتسبيه، وتعلن حالة الإنذار القصوى التي تبلغ ذروتها يوم الخامس والعشرين من شهر رجب، فضلاً عن تعزيز الكمائن والسيطرات والدوريات، والدليل على ذلك أن الوثيقة تشير إلى معلومات حصلت عليها مديرية الأمن / الشعبة الخامسة من رئاسة الجمهورية، وهذا يعني أن هناك استنفاراً أمنياً على مستوى جميع المؤسسات الأمنية، ففي منظور نظام البعث كانت زيارة الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) من أخطر الشعائر؛ بسبب ارتباطها بالعاصمة بغداد، وطابعها الجماهيري الكثيف، وانتظامها الزمني، وارتباطها بهوية دينية معينة، وشخصية رافضة للظلم ونبراس للصمود بوجه الطغيان.

مقاربة قانونية

  تمثل الوثيقة انتهاكاً صارخاً للأعراف والمواثيق الدولية، فحماية حرية ممارسة الشعائر الدينية تتنوع بين الحماية الدولية الواردة في الاتفاقيات الدولية، والحماية الواردة في الدساتير الداخلية للدول، ومنها الدستور العراقي المؤقت لعام 1970، وقد وردت كثير من النصوص القانونية التي أكدت حماية حرية ممارسة الشعائر الدينية، ويأتي على رأس تلك المواثيق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي أكد حرية ممارسة الشعائر الدينية، إذ جاء في المادة (18) منه أن: لكل إنسان الحق في حرية التفكير، والضمير، والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته، أو عقيدته، وحرية الإعراب عنها بالتعليم، والممارسة، أو في إقامة الشعائر ومراعاتها، سواء كان ذلك سرا أم جماعة.

 أما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فقد صرحت المادة (27) منه على أن: لا يجوز في الدول التي توجد فيها جماعات أثنية، أو دينية، أو لغوية، أن تحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة، أو المجاهرة بدينهم، وإقامة شعائره، ولم يقتصر الأمر على إقرار حرية ممارسة الشعائر الدينية في المواثيق الدولية السابق الإشارة إليها، وتبعته في ذلك الوثائق الإقليمية لما تمثله هذه الحرية من أهمية كبيرة، وقد تبنت كثير من الاتفاقات الإقليمية تلك الحرية، وحرصت على كفالة ممارستها، ومنها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان عام (1950) في المادة التاسعة، وكذلك الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان عام (1969).

ومن جانب آخر يظهر أن نظام البعث على الرغم من وجود ضمانات دستورية واضحة، تعامل مع الشعائر الدينية بوصفها تهديدًا سياسيا وأمنيا، متجاوزًا كل نصوص دستور عام 1970 المؤقت التي ينبغي أن تحدد تصرفاته وتكفل حرية التعبير الديني والمشاركة في الشعائر، فقد نص الدستور المذكور في المادة (25) على أن: حرية الأديان، والمعتقدات، وممارسة الشعائر الدينية مكفولة، وفي المادة السادسة والعشرين من الدستور نفسه: يكفل الدستور حرية الرأي، والنشر، والاجتماع والتظاهر، وتأسيس الأحزاب السياسية، والنقابات، والجمعيات.