ataba_head

من ذاكرة البعث.. جريمة تهديم البيوت وتحريقها

أ.د. حسين الزيادي

 

   تفشت جريمة هدم البيوت في زمن البعث منذ ثمانينيات القرن الماضي، وكانت هذه الجريمة تنال المعارضين لنظام البعث بدون تمييز في كل أرجاء العراق، لكن هذه الظاهرة انتشرت بشكل لافت للنظر بعد الانتفاضة الشعبانية وسط العراق وجنوبه، فكانت تلك الجرائم تنال مساكن رجال الانتفاضة وقادتها، وباتت مساكن هؤلاء أطلالاً مهدمة لا يجرؤ أحد على إعادة بنائها بعد أن أُعدم أهلها أو هُجروا، وظلت شاخصة حتى انتهاء حقبة البعث عام 2003م، وإبقاء تلك المساكن على حالها سياسة بعثية تهدف إلى بث الرعب والرهبة والفزع في النفوس، على الرغم من كونها تمثل تشويها للنسيج الحضري داخل المدن، أما حرق البيوت فقد نال مجاهدو الأهوار الجزء الأكبر من هذه الجريمة، حيث أُحرقت مئات المنازل في مناطق أعماق الأهوار والمناطق المتاخمة للأهوار، حتى باتت تلك المساكن أثراً بعد عين، ولاسيما أن أغلبها مبنية من القصب، وهي مادة سريعة الاشتعال، وكانت تلك المساكن تحرق بما فيها من أثاث وممتلكات، في منظر إجرامي لا تستوعبه العقول.

   وسياسة هدم المنازل أعدّت بحُكم تعريفها لإيذاء أشخاص لم يرتكبوا جرماً، ولم يُشتبه بهم بفعل شيء، فقط لكونهم أقرباء للمعارضين، وفي معظم الحالات لا يسكن الشخص الذي جرى هدم المنزل بسببه مع الأسرة أصلاً في وقت الهدم، إما لأنه أُعدم أو لأنه هُجِّر.

   إن جريمة هدم منازل العراقيين وحرقها وتهجير أهلها أو ما يُسمى الهدم العقابي، هي جريمة حرب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وهي ليست إلا إحدى ممارسات الآلة البعثية البشعة الهادفة إلى اقتلاع جذور المعارضة وقمع الحريات، بشتّى الطرق وأكثرها قسوة ووحشية، وهي من الجرائم التي تتفرع منها مجموعة من الانتهاكات منها: تشريد الأهالي وانتهاك حق الملكية الخاصة والحق في السكن، والضرر المادي والمعنوي، وهي من أبشع الانتهاكات والجرائم التي تخلف آثارا ونتائج مدمرة على حياة المواطنين واقتصادهم ونمطهم الاجتماعي ومستقبل أبنائهم، وجريمة الاعتداء على ممتلكات الغير والأضرار بها وضمنها مساكنهم وممتلكاتهم تمثل مخالفة صارخة للقوانين والأعراف الدولية، وأهمها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص في مادته السابعة عشرة على أن لكلِّ فرد حقٌّ في التملُّك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يجوز تجريدُ أحدٍ من مُلكه تعسُّفًا، أما المادة الثانية عشرة من الإعلان فقد نصت صراحةً على عدم جواز تعريض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو في شؤون مسكنه، ووفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني فإن التدمير الواسع أو الاستيلاء على الممتلكات الذي لا تسوغه ضرورات عسكرية، يعد جريمة، أما القانون الدولي الإنساني فقد نص في (المادة 53) من اتفاقية جنيف الرابعة أن تدمير الممتلكات والهجمات على منازل المدنيين محظور تماماً.

   فضلاً عن الأعراف والمواثيق الدولية فإن جريمة هدم المساكن تعد مخالفة صريحة للدساتير العراقية، بدءاً من دستور العهد الملكي الذي أشار في مادته السابعة إلى أن الحرية الشخصية بما فيها حرية السكن مصونة لجميع سكان العراق، ومن ثم دستور جمهورية العراق لسنة 1958م، وهو أول دساتير العهد الجمهوري الذي كفل حق السكن إلى جانب مجموعة من الحقوق والحريات، حيث نصت مادته الثالثة عشرة إلى أن: الملكية الخاصة مصونة، وكذا الحال بالنسبة لدستور 1970م الذي كفل حق الإنسان بأن يكون له سكن وحرية في اختيار محل إقامته، وكان ذلك في المادة الرابعة والعشرين، وأخيراً أشار الدستور الحالي لسنة 2005م في (المادة 30) منه إلى كفالة الدولة لحق السكن.

   وفي القانون المدني العراقي فإن حق السكن هو أحد الحقوق العينية المتفرعة عن حق الملكية وهو حق يخول صاحبه وأسرته سكنى عقار مملوك، وقد نظمه المشرع العراقي في مواد القانون المدني العراقي.

   تأسيساً على ما تقدم يتضح أن جريمة تهديم البيوت وتحريقها تعدّ من الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها نظام البعث، فتوافرت جميع أركانها المادية والمعنوية، وامتازت ببعدها عن طائلة القانون، وحتى بعد رحيل أصحاب البيوت أو إلقاء القبض عليهم، كانت المرحلة الثانية تتمثل بتهديم بيوتهم أو تحريقها، ومن جهة أخرى تمثل هذه الجريمة على وفق فلسفة النظام أسلوباً رادعاً لمن يفكر بمعارضته، وقد مارست الأجهزة القمعية للنظام هذه الجريمة بشكل تعسفي وانتقامي بعيداً عن أي مساءلة قانونية، لأن النظام بأجهزته الأمنية كان يرى نفسه بمرتبة ومكانة تفوق ما للقانون من مكانة، وحتى الادعاء العام لم يكن قادراً على متابعة هذه الجريمة أو استقبال الشكاوى الخاصة بها.