ataba_head

البعث وجريمة الاعتداء على مرقديّ الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام

البعث وجريمة الاعتداء على مرقديّ الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام

 

أ.د. حسين الزيادي

 

   من الصعوبة بمكان الإلمام بشكل كامل بأحداث الانتفاضة الشعبانية وتفاصيلها المؤلمة في ظل التكتم الأمني الذي رافقها، وعدم وجود جهات إعلامية ساندة تتبنى الانتفاضة وتنقل الحدث بصدق وأمانة وموضوعية، ناهيك عن الفوضى الناجمة عن إشغال الراي العام بالنصر الكاذب الذي روج له نظام البعث بعد غزوه للكويت، وفي خضم تلك الأحداث أرتكبت أبشع المجازر، ومورست أفظع أساليب الإجرام، ومن المحافظات العراقية التي أبدت مقاومة قل نظيرها هي كربلاء المقدسة، تلك المدينة التي بقيت أبيةً تقارع الظلم والاستبداد، وترفض كل أشكال التعسف والطغيان، صادحةً بصوتها الأبي -هيهات من الذلة-  ولا عجب في ذلك فهذه المدينة تحمل سفراً خالداً من التضحية والبطولة والفداء منذ هطلت على أرضها سحابة الدم النبوي الطاهر، فأنبتت أجيالاً من الشهداء والثوار.

   أستمرت كربلاء بالصمود والمقاومة مدة أسبوعين ولم تتمكن القوات من دخولها، فأستعان النظام الصدامي بمنتسبي جهاز الحرس الخاص واللواء (١٦) حرس جمهوري، فضلاً عن الأجهزة القمعية للنظام وهي القوات التي كُلفت بقمع انتفاضة كربلاء، وهي نفسها من قامت بضرب المرقدين المقدسين، ويظهر من بعض الصور التي التقطت من باب قبلة الإمام الحسين عليه السلام إن هناك جنوداً بلحى طويلة، وهو أمر غير وارد في نظام الجيش العراقي، فالعسكري كان عليه حلق ذقنه يومياً مهما كانت الظروف، كما إن هذا الأمر يعزز ما ذكره الأهالي وبعض الزائرين والناجين ومنتسبي الجيش الذين أكدوا أن من تم استخدامهم لضرب مراقد الأئمة وتنفيذ الإعدامات داخل الأضرحة المقدسة كانوا موالين للنظام من أتباع طائفة دينية أخرى جاءوا الى كربلاء خصيصاً لقمع الانتفاضة الكربلائية، أستعان بهم النظام لخشيته من تخاذل الآخرين لما للمدينة من قدسية ومكانة في قلوب المسلمين، وكان هؤلاء في منتهى القسوة والوحشية بحسب شهادات أهالي مدينة كربلاء، فضلاً عن المجرمين العرب الذين أستقدمهم النظام وخاصةً الفلسطينيين والسودانيين، وعناصر كبيرة من منظمة خلق الإيرانية، وقد أكد الأهالي إن من دخل بيوتهم أبان الانتفاضة وحققوا معهم كانوا ينتمون لطائفة دينية أُخرى، وهو أمر يتضح من خلال لهجتهم وملامحهم.

   وبسبب نفاد الذخيرة وعدم التكافؤ بين طرفي القتال في العدد والعدة، تمكن الحرس الجمهوري من دخول المدينة والوصول الى العتبات المقدسة بعد ان تم ضرب المناطق المحيطة بالحرمين، وعلى مدار أسبوعين تعرض المرقدين الشريفيين لضربات جوية وأرضية، من قبل النظام الصدامي، استهدفت القبة الشريفة والمنارة، وأجزاء كبيرة من الواجهة الخارجية، وكذلك جدار الحائر الحسيني المقدس، وقامت القوات الخاصة آنذاك، بمحاصرة المرقد الشريف من كل جانب، ومن ثم اقتحامه واعتقال من فيه، وأمر المجرم حسين كامل بإعدام عدد من المنتفضين والزوار داخل المرقد الشريف فاعدموا رمياً بالرصاص بجوار المرقد المقدس، ومازالت آثار الرصاص شاخصة في جدران الحرم المقدس والأروقة الداخلية، وأحرق جزءاً من الباب الذهبي، وشباك السيد إبراهيم المجاب، ودخل المجرم حسين كامل ووقف أمام ضريح الإمام الحسين عليه السلام، وكان له جملة شائعة تداولتها ألسن الناس (انت حسين وانا حسين) متحديا بذلك أبن بنت الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم، ومتحدياً مشاعر الملايين من المسلمين، ولم يتوقف السلوك الإجرامي عند هذا الحد بل أُحرقت الباب الذهبية في جنوب الحرم المقدس، واستهدفت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة المزخرفة بالذهب في الواجهة الخارجية، وسرقت المقتنيات الخاصة بالحرم المقدس، فضلاً عن استخدام المرقد الشريف ليكون ثكنة عسكرية، أما مرقد العباس عليه السلام فلم يكن أقل ضرراً، إذ طالته الأيادي القذرة وحرقت ونهبت ما فيه، واتخذت من سوره الخارجي مقراً عسكرياً لها، وأُستخدم باب القبلة ليكون ثكنة عسكرية، ورفع الجنود صور (صدام) ليستفزوا بها مشاعر أهالي المدينة الذين ذاقوا الأمرين.

   إن ما فعله نظام البعث يعدّ انتهاكاً فاضحاً لكل المواثيق والأعراف الدولية التي انضم إليها ووقع عليها، فضلاً عن انتهاكه للدساتير العراقية وقانون العقوبات العراقي، إذ إن الحفاظ على قدسية وحرمة الأماكن الدينية المقدسة أمر تكفله العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية، فقد نصت المادة )١٨( من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام ١٩٤٨م، ان لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير وإقامة الشعائر الدينية ومراعاتها، سواء أكان ذلك سراً أو علناً، وقد تقررت هذه الحماية والحصانة للمقدسات الدينية في العديد من الاتفاقيات منها اتفاقية لاهاي عام 1954م التي نصت على ضرورة حماية الممتلكات الثقافية في أوقات النزاعات المسلحة، وعلى رأسها دور العبادة والأماكن المقدسة، وكذلك الوثيقة الدولية لحقوق الإنسان عام 1966م، فضلاً عن اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م وملحقيها الإضافيين لعام 1977م، حيث نصت المادة (53) من الملحق الإضافي الأول على حظر ارتكاب أية أعمال عدائية ضد أي من الآثار التاريخية والفنية وأماكن العبادة.

   ومن النصوص التي تحمي الأماكن الدينية بوصفها أعياناً مدنية ما جاءت به المادة (٥٢) من البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف لعام (١٩٤٩م) المتعلق بحماية ضحايا النزاعات الدولية المسلحة والتي نصت على ألا تكون الأعيان المدنية محلاً للهجوم أو لهجمات الردع، والأعيان المدنية هي كافة الأعيان التي ليست أهدافاً عسكرية، أما الحماية الخاصة للأماكن الدينية بوصفها أعياناً، فأن المساس بها لا يعد مساساً بأعيان مدنية فحسب، إنما هو مساس بالعقائد والروحانيات لدى أتباع كل دين أو طائفة.

   وبوصف العتبات المقدسة من أهم الأماكن الدينية المقدسة لدى المسلمين فواجب على الدولة حماية هذه الأماكن التزاماً بما وقعته من الاتفاقيات الدولية وما اقره العرف الدولي، وبذلك فان الانتهاكات التي قام بها نظام البعث على الأماكن الدينية المقدسة في كربلاء قد رتبت المسؤولية الجنائية على سلطات البعث بوصفه كياناً دولياً (مسؤولية دولية)، وترتبت المسؤولية الجنائية على المعتدين المباشرين كأفراد أو الذين أصدروا الأوامر (مسؤولية فردية)، هذا مع بقاء المسؤولية المدنية.

   أما المشرع العراقي فقد أدرج الجريمة ضمن جرائم الماسة بالشعور الديني لأن الضرر المعنوي الذي تخلفه تلك الجريمة يتمثل عادة بالألم الذي يصيب الإنسان نتيجة المساس بقدسية المعتقدات الدينية[1]، وقد شملت تلك الجرائم بحسب قانون العقوبات العراقي ما يأتي:

   أولا- جريمة تشويش أو تعطيل إقامة الشعائر الدينية، وهذه نصت عليها المادة (٣٧٢/أولا/الفقرة2) التي جاء فيها (….من تعمد التشويش على أقامة شعائر طائفة دينية او على حفل او اجتماع ديني أو تعمد منع او تعطيل أقامة شيء من ذلك تعتبر جريمة تشويش وتعطيل إقامة الشعائر الدينية في العتبات المقدسة)، وهذه أحد المضامين المهمة للجرائم الماسة بحرمة العتبات المقدسة، حيث إن ذلك يؤدي للمساس بالهيبة والقدسية لهذه الأماكن ويعطل حرية ممارسة الشعائر والطقوس التعبدية والتي لا يملك أحد تعطيلها مادامت لا تخل بالنظام العام أو الآداب العامة أو حقوق الأخر ونطاق حريته.

   ثانياً- أتلاف وتدنيس الأبنية والرموز المقدسة، وقد ورد هذا الاعتداء في المادة (٣٧٢/أولا/الفقرة٣) التي جاء فيها: من خرب أو أتلف أو شوه أو دنس بناء معد لإقامة شعائر طائفة دينية أو رمز أو شيئاً أخر له حرمة دينية )، وبهذا يتضح أن المشرع الجنائي لم يشر بصراحة إلى العتبات المقدسة، إلا إنها مشمولة بهذا النص لأنها تعد من أهم الأماكن الدينية في العراق، بل وأقدسها وهي من أهم المباني المعدة لإقامة الشعائر الدينية.

   ثالثاً- تقليد الحفل الديني والسخرية منه، وقد وردت هذه الجريمة في المادة (٣٧٢/أولا/ف٦) وتتمثل هذه الجريمة في ضرر معنوي ليس له مظهر خارجي ملموس، وهذه الجريمة من الجرائم التي يبدو بها القصد الخاص إضافة إلى القصد العام، فغاية الجاني هو الإهانة والاستهزاء والاستخفاف وليس مجرد العرض لها، فالتقليد المجرد وحده غير كاف ومن صور تلك الأفعال على النحو الآتي:

  1. الاعتداء على المعتقد الديني/ وقد نص المشرع العراقي على هذه الجريمة في المادة (٣٧٢/أولا الفقرة١) وذلك بعبارة(من اعتدى بأحد الطرق العلانية على معتقد لإحدى الطوائف الدينية او حقر من شعائرها..).
  2. إهانة الرموز والشخصيات الدينية، وقد عالج المشرع العراقي هذه الصورة من الاعتداء في المادة (٣٧٢/أولا\الفقرة5) قانون العقوبات العراقي حيث جاء فيها (من أهان علناً رمزاً او شخصاً هو موضع تقديس وتمجيد او احترام لدى طائفة دينية) ويدخل ضمن هذه المادة ما تفوه به المجرم حسين كامل قائلاً (انت حسين وانا حسين).

   وقد كفل دستور 2005 في المادة (١٠) منه بأن (العتبات المقدسة والمقامات الدينية في العراق كيانات دينية وحضارية تلتزم الدولة بتأكيد صيانة حرمتها وضمان ممارسة الشعائر بحرية فيها..). جاءت هذه الحماية الخاصة للعتبات المقدسة بالإضافة الى الحماية العامة للاماكن العبادة في المادة (٤١) من الدستور والتي تنص على ان (تكفل الدولة حرية العبادة وحماية أماكنها).

   اما في التشريع الجنائي الإسلامي فان ازدراء الأديان يمثل تعدياً على حرمة الدين فهو من أخطر الجرائم وأكثرها سبباً في نشر التطرف والكراهية، ومثال ذلك أماكن مثل أضرحة بعض أولياء الله الصالحين وأضرحة الأئمة والرموز الدينية وقد تكون أشخاصاً وأبرزهم الإمام الحسين بن علي عليه السلام[2]، وقد نص القران الكريم على حرمة التعدي على الأماكن المقدسة ووصفها بالحرم الآمن، كما في قوله سبحانه وتعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (العنكبوت:67)، وكذلك قوله تعالى (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) (ال عمران:97) وقد توالت الروايات الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله واهل بيته عليهم السلام وفقهاء المسلمين في تعظيم اضرحة الأئمة وعدم انتهاك حرمتها، فعن الإمام الصادق (ع) (إن حرمتهم بعد الموت كحرمتهم في حياتهم).

[1] نوال طارق إبراهيم العبيدي، الجرائم الماسة بحرية التعبير عن الفكر، الطبعة الأولى، دار الحامد للنشر والتوزيع، ٢٠٠٩ ص(٧٨)

[2] رمسيس بهنام، قانون العقوبات.. القسم الخاص، منشاة المعارف، الاسكندرية، 1999.