ataba_head

الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة ودورها في بناء السلم المجتمعي

الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة ودورها في بناء السلم المجتمعي

 

الكاتب علي الفريجي

 

يقول جان لي غوف: على النحو نفسه الذي لا يعتبر فيه فقدان الذاكرة مجرد اضطراب موضعي في ذاكرة الفرد، فأنَّه قد يتسبب في اختلالات أقل أو أكثر خطورة في شخصيتهِ، لأنَّ الغياب أو الخسارة طوعاً أو كرهاً للذاكرة الجماعية لدى الشعوب والأمم يُمكن أن يتسببا بمشكلات جدية للهوية الجماعية.

تُعد المدة الانتقالية من حياة الشعوب والأمم من أصعب المراحل التأريخية في سلم تطورها أثناء عملية التغيير والتحول من النظام الشمولي الدكتاتوري إلى النظام الديمقراطي التعددي، لاسيما ما يتعلق بمعالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان. وإذا كانت مفاهيم العدالة الانتقالية تُعد ضرورة ملحة للبلدان والشعوب التي شهدت تغييراً وتحولاً جذرياً في أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإنَّ الأمر مع الدولة العراقية يُعتبر أكثر إلحاحاً، إذ إنَّها بأمس الحاجة إلى الأخذ بتلك المفاهيم، وذلك لجملة من الأسباب والمبررات الموضوعية التي تقف في مقدمتها طبيعة ومنهجية النظام السياسي والأيديولوجي الذي حكم البلاد طوال تلك العقود المنصرمة، والذي انفرد بأفعال وتوجهات وأساليب لم يشهد لها مثيل عبر التأريخ المدون.

ويشير مفهوم العدالة الانتقالية بشكل عام إلى مجموعة من الأساليب التي يُمكن للدول استخدامها لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان السابقة. وفي التجربة العراقية المريرة، فإنَّ ما قام به النظام البائد من أعمال تخريبية وتغييرات سلبية لم تقتصر على جوانب محددة، بل تعدّت إلى حصول تغيّرات جوهرية في المفاهيم التربوية والثقافية والاجتماعية والسلوكية، وأهم ما يمكن ملاحظته في هذا الشأن هو حجم وطبيعة التركة الثقيلة التي أورثتها الدكتاتورية، كمنظومة متكاملة حيال المجتمع العراقي، ولأجل رفع هذا الركام الهائل عن كاهل المجتمع يتطلب الحال بذل جهود استثنائية، وهنا طُرح سؤال جوهري عن الكيفية التي يتم بموجبها التعامل مع هذه التركة أو ماهية المعالجات والآليات التي يجب أنْ تُتخذ بتفكيك ورفع ذلك الركام، مع الأخذ بالاعتبار إنَّ الحالة العراقية تمتاز بالتفرد في جميع أوجهها.

نعم إنَّ الكثير من البلدان وقعت تحت حكم نُظم دكتاتورية متعددة، إذ لاقت شتى أنواع القهر والظلم، إلا أنَّ ما حدث لهذه البلاد من نكبات ومآسي يختلف من حيث النوع والكم، مقارنة بما حصل لدى شعوب وأمم أُخرى، ومن ثمّ فإن المعالجات الموضوعية التي ينبغي أنْ تتخذ يجب أنْ تكون غير تقليدية في تعاطيها مع مخلفات ما بعد مرحلة سقوط الدكتاتورية، فقد جرت محاولات جادة في هذا الشأن، إلا أنَّ تلك المحاولات لم تفلح إلى الدرجة التي يطمئن لها المواطن، وقد يلتمس بعضهم العذر لذلك على اعتبار إنَّ ما حصل من تداعيات ما بعد سقوط نظام البعث لا تقل خطورة وأهمية عن ممارسات النظام البائد، وذلك حينما تحالفت جهات وأطراف داخلية وخارجية وبدوافع وغايات شتى من أجل ارباك الوضع الجديد، وبالطبع إنَّ ذلك لا يمنع من السعي لتخطي تلك العقبات، وتجاوزها، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وبالفعل شُكلّت لهذا الغرض العديد من الهيئات والمؤسسات، وفي مقدمتها الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة.

بعد سقوط نظام البعث عام ٢٠٠٣م فإن أول القرارات التي أصدرتها سلطة الائتلاف المؤقت هو أمرها بتطهير المجتمع العراقي من حزب البعث، وأفضى هذا القرار إلى حل حزب البعث عن طريق إلغاء هياكل الحزب وأُطره وإقصاء قيادته. أما الدستور العراقي لسنة ٢٠٠٥ م، فقد أشار إلى المؤسسات والهيئات المستقلة في الفصل الرابع تحت عنوان (الهيئات المستقلة)، وقد ذكرت المادة ١٣٥ من قانون الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث أعمالها بوصفها هيئة مستقلة بالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية في إطار القوانين المنظمة لعملها.

وتُعد الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة من الركائز التي اعتمدت تطبيق مفهوم العدالة الانتقالية، ونظراً لأهمية الموضوع وحساسيته، وضماناً لنجاح هذه التجربة الوليدة، ينبغي على الجميع مواجهة وتصفية تراكمات العهد البائد، واختيار أفضل السبل لتحقيق بناء السلم المجتمعي، والمصالحة الوطنية، ومنع عودة الدكتاتوريات من جديد، وذلك بإفساح المجال لمؤسسات العدالة الانتقالية وفي مقدمتها الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة بأخذ دورها في بناء السلم المجتمعي على اعتبار أنَّ فكرة وتطبيق العدالة الانتقالية تُعد إحدى الحلول الناجحة والناجعة للمجتمع، وخطوة مهمة في تحقيق الطمأنينة والسلم الاجتماعي. وفيما يأتي بعض الأدوار البناءة التي قامت بها الهيئة، وساهمت من خلالها وبشكل واضح في بناء السلم المجتمعي، وهي:

  1. أصدرت الهيئة العديد من القرارات، مثل:( قرارات العودة إلى الوظيفة أو الإحالة على التقاعد) والتي أسهمت بشكل فاعل بإيصال رسالة مضمونها إنَّ قانون الهيئة لم يُسن من أجل معاقبة البعثيين كما أراد بعضهم أنْ يُصور عمل الهيئة، إنَّما استفاد الكثير من المشمولين بإجراءاتها من خلال إعادتهم إلى دوائرهم السابقة. ومن خلال الاطلاع على قرارات الهيئة لاسيما المتضمنة العودة إلى الوظيفة والإحالة على التقاعد نجد أنَّ محافظة صلاح الدين وبعدها الأنبار تأتيان في المراتب المتقدمة، مما يؤكد أنّ الهيئة تعمل وفق الأطر القانونية وليس كما يُروج له بعضهم على أنَّها تعمل وفق نفس طائفي.
  2. إنَّ الدور الفاعل للهيئة وبالتعاون مع وزارتي التربية والتعليم العالي في تنقية المناهج الدراسية من الإشارات المباشرة وغير المباشرة لنظام البعث ورئيسه.
  3. سحب رسائل الماجستير، وأطاريح الدكتوراه، والكتب، والدوريات، التي تمجد رأس النظام البائد ونظام البعث من الجامعات، والمعاهد، والمكتبات، للحفاظ على الأجيال من الأفكار الهدامة والسامة.
  4. أصدرت الهيئة وبالتعاون مع لجنة المصالحة الوطنية أكثر من (١٠٠) أمر ديواني للكيانات المنحلة.
  5. العمل مع مؤسسة الشهداء ووزارتي التربية والتعليم العالي على تضمين المناهج الدراسية جرائم نظام البعث.
  6. العمل على إيجاد ثقافة مناهضة ومغايرة لثقافة البعث من خلال تسليط الضوء على مجموعة الجرائم التي ارتكبها نظام البعث، لتكون شاهدة لكل الأجيال على حجم تلك الجرائم التي أُرتكبت بحق الشعب العراقي.