ataba_head

أساليب التعذيب والجريمة البعثية جريمة اتلاف العيون وسملها ح24

أساليب التعذيب والجريمة البعثية

جريمة إتلاف العيون وسملها ح24

الأستاذ المساعد

الدكتور رائد عبيس

باحث في المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف

تحدث تاريخ الإجرام والعقاب البشري عن قصص كثيرة ومروعة، باتخاذ هذه العقوبة، وهذا الجرم وسيلة مرعبة لتهديد الخصوم وتنفيذها بهم. ولا يمكن أن نستثني أمة من الأمم في عدم استغنائها عن عملية (سمل العيون) بوصفها جريمةَ أو عقاباً مشرعاً بقانون كما عند حمورابي، ومع ذلك اختلفت الأفكار، ووجهات النظر، والقناعات، والدوافع، في اتخاذ عقوبة سمل العيون، أو إتلافها بحق الأفراد المستهدفين، تبعاً لسلطة الحكم، والقضاء، والنوازع الشريرة المتنوعة التي تجعل من جسد الإنسان هدفاً سهل المنال لا سيما العيون، ولعل هذه السهولة نابعة من الطبيعة الخلقية للعين وتركيبها وموقعها الحساس في جسم الإنسان ورِقَّةَ مكوناتها المادية، فهي في حدق عظمي تمسك بها أوتاد عضلية رقيقة. فهي الجزء الأضعف جداً من وجه الإنسان وجسمه بشكل عام.

لذلك من السهولة إلحاق الأذى بها، ومن الصعوبة شفاءها أو عودتها لطبيعتها؛ لأن وظيفتها معقدة وحساسة، ولها علاقة بالتكوين النفسي للإنسان ومن حيث قيمته كبشر أكثر من أعضاء الجسم الأخرى مع أهميتها، ومن حيث الفائدة من وظائفها في حياته العملية، ومن حيث شدة تعقيد اجزائها عند تعرضها لتلف معين أو حتى قلعها. فهي نافذة الإنسان إلى عالمه ومحيطه وبدونها يفقد الإنسان قيمة الاحساس بالأشياء، وقيمة الحياة.

ولعل هذه الاهمية هي التي دفعت الجلادين والمجرمين إلى استهداف العيون في عمليات العقاب والجريمة في التاريخ.

تذكر المصادر أنَّ عقوبة (سمل العيون) وردت في قوانين حمورابي في الدولة البابلية، بوصفها عقوبة فردية، لفرد ارتكب جنحة. ووردت في تاريخ الرومان عقوبةً جرمية فردية وجماعية. وفي تاريخ المسلمين ولا نقول في تاريخ الإسلام، حدثت عمليات إجرامية في (سمل للعيون) سواء في العهد الأُموي أم العباسي أم ما بعده، وتذكر المصادر التاريخية أن أبا جعفر المنصور قد سمل عين شخص شتمه بدق الأوتاد في عينيه. أما في العصر الحديثة من حياة الشعوب فأنهم أضافوا لها قدرات جديدة اتسمت بالابتكار التقني لآلات تسهل عملية (سمل العيون).

هذه أمثلة من تاريخ البشر الذين توارثوا هذا النوع من الإجرام، ومن الدوافع العقابية بقصد الإيذاء، والإذلال، والعبث بحياة البشر، وتبديد قيمة حياتهم بإتلاف هذا الجزء الحيوي من الجسم.

أما في العراق الحديث وتاريخ القسوة في حكمه، فلم يُغفَل عن اعتماد هذه الجريمة، سواء من قبل السلطات بتوجيه مباشر منها، أو من قبل أفراد هذه السلطات وارتجالهم في التعذيب كيفما يحلو لهم، وبما يشفي نزوة الشر عندهم.

تذكر شهادات الضحايا عن قصص الجريمة البعثية بحق أبناء العراق، حوادث مروعة بتنفيذ هذه الجريمة بحق الأبرياء من النساء، والأطفال، والرجال، فمجرمو السلطة البعثية لم يرعوا للإنسانية أي قيمة! ولم يرعوا للدين أي أهمية! ولم يكترثوا لأي حرمة!

وقد تنوعت أساليب البعث – الكافر بالقيم والدين والإنسانية – في تنفيذ جريمة إتلاف العيون وسملها، معتمدين الطرق الآتية:

  • إطفاء السكائر في عيون الضحايا.
  • تقشير العيون من جفونها.
  • رش المبيدات والمواد الكيمياوية وأبرزها التيزاب. على العيون وإتلافها،
  • عمي العيون من خلال زج الضحية في زنزانة ظلماء لمدة شهور طويلة.
  • إدخال الأقطاب المعدنية المكهربة أو المحمية بالنار في عيون الضحية.
  • ضرب العيون بأيَّ أداة حتى التلف أو القلع.
  • نتف شعر الرموش والحواجب.
  • وضع قطرات ضارة في عيون الضحايا، فتتلفها ببطء.
  • تعذيب الضحية بشد الجفون حتى يمنع من النوم وأتلاف العيون بالسهر الإجباري.
  • قلع العيون بآلة سمل العيون، وهي آلة مستوردة من قبل حزب البعث لتنفيذ هذه العقوبة الإجرامية بحق من يُجرموه ظلماً وعدواناً. وهي آلة كفيلة بقلع عين الضحية خلال ثوان.
  • إنزاع عيون الضحية بعمليات جراحية، ربما لغرض بيعها بالتجارة بالأعضاء البشرية، لا سيما إذا كانت العيون ملونة.
  • إدخال الأسياخ المعدنية المخصصة للشوي في عيون الضحية.
  • إدخال الأسياخ المجمرة، المحمية بالنار في عيون الضحية.

بعد ذكر هذه الأساليب ولعل هناك كثير منها مما لم نعرف عنها بعد. استخدم تبعاً لكل حالة من حالات الضحايا، نذكر بعض قصص الشهداء الذي نالهم هذا الظلم بقلع عيونهم أو إتلافها، وما رافقه من ألم لا سيما لمن بقي على قيد الحياة منهم، والغريب في إجرام البعث المفرط، هو أن هناك كثير من الضحايا يتم سمل أعينهم قبل إعدامهم! ولا نعرف العبرة من هذا الإجرام المتفاقم في سمل عيون الضحية، إذا كانت النية حاضرة لإعدامه، فكثير من الضحايا دفنوا من دون عيون، فجاءت محاجرهم فارغة من عيونهم!!

قصة الشهيد ناصر حسين الساعدي: بعد محاولته الفاشلة في الهروب من السجن، تم إبلاغ القاتل قصي صدام بمحاولته، فأمر بإعدامه وسمل عيونه.

قصة الشهيد ليث والي الدراجي: الذي قتل بعض من عناصر البعث المجرم في عقد التسعينيات، وقد ألقي القبض عليه من قبل الأجهزة الإجرامية الصدامية، وتم إيداعه في سجن (أبو غريب) وقبل إعدامه بوقت جاءت طبيبة تتفحص وجوه المحكومين بالإعدام، ومن ضمنهم الشهيد ليث والي – وكان شاباً وسيماً ذا عينين خضراوين واسعتين -؛ وقد تسمرت الطبيبة امام ليث وقالت له: (كفر انت عيونك تنشلع!) الظاهر أنها تذهب ضمن تجارة الأعضاء البشرية وقد أخبر الشهيد ليث أهله بهذه الحادثة عندما جاؤوا لزيارته الأخيرة قبل إعدامه وبالفعل بعد إعدامه وعند تَسلم جثته؛ شاهده أهله أن محاجر عينيه فارغة وبلا عيون!!

 قصة ضحية مجهول الاسم: أرتكبها بحقه المجرم الملقب سلام أبو كف وكان أحد حراس معتقل الحارثية وسُمَّيَ بـ (أبو كف) لضخامة وقوة كفه بحيث إنَه إذا ضرب أحد المعتقلين – والهاربين من الخدمة العسكرية على وجهه فان ذلك يؤدي الى فقِ إحدى عينيه، وقد يكون لهذا المجرم أبو كف جرائم أخرى مع ضحايا آخرين.

 قصة ضحية مجهول الإسم: جريمة أرتكبها بحقه المجرم ناظم كزار، فمما ينقل عنه انه عندما كان يتناول طعام (التكة) ويحقق مع المعارضين يدفع بـ (شيش التكة) في عيون الضحية المعتقل وهو يضحك!

قصة الضحية سائق التكسي: رويت هذه القصة على لسان أحد مجرمي البعث المدعو ابو أركان الزوبعي، أحد منتسبي جهاز الأمن، لأحد تجار بغداد؛ قد ذكر أنه: في أحد الأيام مرت سيارة تكسي من أمام مبنى الأمن العامة، وقد أشار السائق إلى المبنى بإصبعه، وكانت البناية ترصد حركات المارة والسيارات من خلال الكاميرات السرية المنتشرة في البناية وحولها، مما أدى إلى اعتقال السائق وبتر إصبعه الذي أشار به نحو البناية وسمل عينيه.

قصة ضحايا مجهولي الاسم: أرتكب المقبور حسين كامل جريمة إتلاف العيون بعدد كبير من السجناء، إذ كان يسكب فيها المواد الكيمياوية الحارقة وهم أحياء، بقصد إيذائهم وتعذيبهم، وكذلك بقصد تجريب هذه المواد الكيمياوية المصنعة في مختبرات التصنيع العسكري على أجساد الضحايا.

قصة الضحية سلام عادل: يذكر بأن شحمتي عيني (حسين أحمد الراضي الموسوي) المشهور باسمه الحركي سلام عادل، أمين عام الحزب الشيوعي العراقي، وقد سمَّلتا في شباط 1963، بإدخال سيخي حديد مجمرين في مِحْجَريه، فسالا كسمن مذاب، بحسب شهادة الشهود.

قصة الضحية رياض إبراهيم: وهو طبيب عراقي حاذق، ووزير لوزارة الصحة العراقية في عهد أحمد حسن البكر، قد أعدم سملت عيناه من قبل البعث الصدامي عام 1982، وقد أَخبر طبيب صدام حسين الدكتور علاء رشيد، نقلاً عن شقيق الوزير أسامه إبراهيم على أنه دفن شقيقه بلا عينين، أي كان مِحْجَراه فارغين.

قصة الفتاة البصراوية: وقعت هذه الفتاة بيد عناصر البعث المجرمة، وهي في ريعان شبابها، بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي، وقد اقتيدت هي وعائلتها للتحقيق وتذكر هذه الفتاة أنها طلبت رؤية والدتها، فجلبوها لها من زنزانة أخرى مجاوزة كانوا يعذبونها فيها، ولكن ليس بقصد تلبية طلبها، وإنما بقصد مشاهدة عملية اغتصاب بنتها أمام عينيها. ومن ثَمَّ سملت عينا الأم، وماتت الأم كمدا لهول ما رأت!

هذا ما يمكن إيجازه عن هذه الجريمة، وربما هناك طرائق لإتلاف عيون الضحايا أو سملها لم نسمع بها ولم تردنا شهادات عنها.

صورة توضيحية من التأريخ للعقاب بسمَّل العيون