ataba_head

الفساد المالي والإداري في ظل نظام البعث

الفساد المالي والإداري في ظل نظام البعث

 

أ. د. حسين الزيادي

 

قد يبدو لأول وهلة أنّ ظاهرة الفساد المالي والإداري قد تفشت في العراق بعد عام 2003م، وهذا اعتقاد خاطئ وينافي الحقيقة جملةً وتفصيلاً، بل هي أكذوبة كبيرة وتدليس وتضليل وتزييف للحقائق، فالفساد المالي والإداري كان اضعافاً مضاعفةً لما وجد بعد عام 2003، وإن ما ضاع من أموال العراق في عهد نظام البعث يمثل ثروات لا حصر لها لأسباب تتعلق بالفلسفة المقيتة لهذا النظام وتطلعاته العدوانية ونظرته الطائفية، إذ تُعد ظاهرة الفساد المالي والإداري في العراق جزء من الثقافة الاجتماعية المورثة من نظام البعث الذي أحدث شرخاً كبيراً في اخلاقية الفرد، لكن الوضع المعقد بعد عام 2003م كشف بجلاء عن ظاهرة الفساد مهما كان حجمها ووضعها تحت المجهر لأسباب تتعلق بحرية الإعلام ووجود جهات مراقبة مختصة لمتابعة الفساد، وهي امور وجوانب ما كان لها وجود في ظل نظام البعث، فقد كان العمل يتم بسرية تامة وتحجب المعلومات والاحصائيات عن المواطن أو الإعلام ولم يكن المواطن يعرف شيئاً عن وارادات الدولة ومجالات انفاقها وموازناتها او حساباتها الختامية.

عززت حكومة البعث مفهوم الفساد بين العامة، وشجعت عليه من خلال ممارساتها وقراراتها التخبطية، فقد أسهمت سياسة التجويع في تفشي الفقر، وانتشار الفساد في دوائر الدولة ومؤسساتها المختلفة، فأصبحت الرشوة، والمحسوبية والمحاباة، والتهريب، والغش، وبيع الوظائف، والاختلاس، والبيروقراطية، والروتين والابتزاز من مظاهر الفساد التي يعايشها المواطن يومياً في معاملاته ومتاجراته، أما الفساد الأكبر فقد كان من نصيب هرم السلطة الذي اخذّ يتصرف ويتحكم بأموال الدولة كما يشاء من دون أن يجرأ أحد على معارضته، فكان يعطى من يشاء ويمنع عمن يشاء دون حسيب أو رقيب، وقصاصة صغيرة بإمضائه كانت كفيلة بجلب المليارات من البنك المركزي العراقي، أما الفساد الإداري فكان هرم السلطة ينصب من يشاء ويعزل من يشاء بحسب رغباته وميوله التي تسيرها المناطقية والطائفية، فلاوجود لقاعدة الرجل المناسب في المكان المناسب ولاوجود لمعايير الكفاءة والنزاهة، فالمعيار الوحيد هو التشبع بمبادئ الحزب الإجرامية، أما الرتب العسكرية فكانت تعطى جزافاً فقد منح صدام لنفسه رتبة مهيب وهي أعلى الرتب العسكرية في الجيش العراقي، على الرغم من أنه لم يدرس في الكلية العسكرية، كما منح رتبا لأقاربه مثل علي حسن المجيد الذي منح رتبة فريق أول ركن، وحسين كامل الذي تولى ادارة جهاز الأمن الخاص وهيئة التصنيع العسكري، ووزيراً للدفاع ووزيراً للنفط وكالة، وهو الذي لم يحصل على شهادة الابتدائية، فأي فساد إداري يضاهي هذا الفساد.

وقد استنفدت ثروات البلد في استيراد الأسلحة التي سعى البعث من خلالها لإقامة إمبراطورية القرية، فأصابه الغرور والتبجح والغطرس فارتكب خطأً جسيما بحربه على ايران ونشبت الحرب التي استمرت ثماني سنوات، التهمت الأخضر واليابس من ثروات البلد وأفلست الخزينة، فأضطر الى الاقتراض من دول الخليج التي سبق أن مهدت له الطريق لشن تلك الحرب، وبعد سنتين من انتهاء الحرب ارتكب خطأ أفظع عندما قام بغزو الكويت، مما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي للبلد بشكل لم يسبق له مثيل، ففقد الدينار العراقي قيمته، فبعد أن كان يعادل اكثر 3 دولارات أمريكية أصبح الدولار الأمريكي الواحد يعادل أكثر من 3 آلاف دينار عراقي، وبعد ذلك اخذ العراق يدفع التعويضات للكويت على مدى 31 عام، ويعد هذا الملف وبحسب البنك المركزي العراقي من أكثر الملفات استنزافاً لاقتصاد العراق، فقد بلغ حجم التعويضات المالية التي أقرّتها الأمم المتحدة لصالح الكويت 52.4 مليار دولار وآخر قسط منها دفع عام 2021 إذ دفع العراق 41 مليون دولار كدفعة اخيرة.

أما مرحلة الحصار الاقتصادي الذى فُرض على العراق بسبب السياسات الرعناء لنظام البعث، فقد اسهم بشكل فعال في اتساع دائرة الفساد وتعدد منافذه، فاخذ الفساد بأنواعه ينهش في الجسد الاقتصادي للبلد وشمل كل مناحي الحياة، وبات الفساد وباءً مستشرياً ينخر في مؤسسات الدولة ودوائرها، وأسهم ذلك في ضرب المنظومة القيمية للمجتمع العراقي، أما الوظائف الحساسة في الدولة كالمحافظين، ورؤساء المجالس البلدية، ومدراء القائمقامية، والضباط الكبار، والمدراء العامين والعاملين في السفارات والبعثات، فقد كانت مجيرة لجهات معينة وتقوم على أساس الولاء المطلق لنظام الحكم، فضلاً عما تقدم كانت هناك فجوات تنموية واسعة بين محافظات العراق، فانتشرت نتيجةً لذلك الطبقية الاقتصادية والتوزيع غير العادل للثروات.