ataba_head

رواية في عقيدة – من سجون الطاغية

رواية في عقيدة – من سجون الطاغية

2024-01-24

الدكتور أحمد الجراح

 

تتركُ الرُّواياتَ أثرًا في نفوس الأفرادِ لِما لها من صبغةٍ أدبيةٍ في التَّطرُّقِ لمَجريات أحداثٍ معينةٍ، وقد اشتغلَ الكُتاب بها كصنفٍ أدبيٍّ لتكونَ في ضمنِ اهتمامات القُرّاءِ والدَّارسِينَ للأدبِ أو التَّاريخِ، ومن بين الاهتماماتِ الَّتي حَظِيَت بمتابعاتٍ عَاليةٍ وفي ضمن ما كُتِبَ من همومٍ وأفكارٍ لتوضيحِ أو تبريرٍ موقف وحالة ما، هيَ مُذكرات السُّجونِ الَّتي انشغلَ مدونوها بالتَّوصيفِ الَّذِي يَظهرُ بَمشاعرٍ تُلامِسُ قلبَ القارِئ للظروفِ القاسيةِ والحياةِ المَريرةِ الَّتي يَعِيشُها السَّجينُ.

والعراقُ واحدٌ من بُلدانِ المِنطَقةِ الَّذي شكلت فيه مساحةُ المذكرات الخاصة بالسجون عدداً وإنْ كان يسيراً لكنه مهمٌ مِنْ حيثُ النوعُ واختلافُ طُرقُ السَّردِ لتَوثيقِ جُمْلةٍ من السجون والانتهاكاتِ الفريدةِ إبَّانَ حُكمِ البَعثِ المَقبورِ، وهي إضافةٌ مُهمةٌ لأدبِ السُّجونِ في الثقافة العربية لتبيينِ تاريخِ حِقبةٍ زمنيةٍ وتؤرِّخُ لطبيعِة نظام وسياسته اتِّجاهَ أبناءِ شعبهِ.

 إنَّ ما يُمَيِّزُ مذكراتِ السُّجونِ العراقيَّةِ أنَّها جاءت متقاربةٌ في نقلِ الحقيقةِ والظُّروفِ مع أنَّ طبيعةَ مُدوِّنيها تَختلفُ من شَخصٍ إلى آخر، وكذلك الاختلافُ في تناولِ المَوضوعاتِ، إذ يسلط أحدُهم الضَّوءَ على اسمِ سِجنٍ مُعيَّنٍ وتَوصيف الأحوال فيه، ويُسلِّطُ آخرُ الضوءَ على مجريات الأحداثِ السِّياسيَّةِ آنذاك، وبينَ الصِّبغةِ الأدبيةِ والصِّبغةِ التَّاريخيَّةِ نلحظُ نصوصاً تجتمع فيها كلا الصِّبغتينِ وتختلفُ في أحيانٍ أُخرى. ومِنْ بَينِ المُذكراتِ الَّتي نُشِرَتْ هي مُذكراتُ السَّيِّدِ رياض الحكيم المَوسُومَةُ “في سجون الطاغية”.

السَّيِّدُ رياضُ الحكيم النَّجلُ الأكبرُ للمرجعِ الدِّينيِّ الكبيرِ الرَّاحلِ السَّيِّدِ مُحَمَّد سَعِيد الحكيم (قدس) مواليد 1958م اعتُقِلَ مع والده وإخوتِه وعَددٍ من أُسرةِ آلِ الحكيم في سجن أبو غريب ولمُدَّة تَقرُبُ من ثماني سنوات، وخرج من العراق لينجو من بطش السلطة بعد أنْ نُفِّذَ حُكمُ الإعدام بعددٍ منْ أفرادِ الأُسرةِ، وقد كتبَ هذه المذكراتِ أواخر عام 1991م، ولم تطبعْ إلّا بعدَ زوال حكم البعث عام 2003م، وقد تضمنت المذكراتُ مقدمةً، وتمهيدًا، وستةَ فُصولٍ: الاعتقال وأسبابه، قوافل الشهداء، أنشطة ومواقف، حرب الخليج والانتفاضة، أمراض السجن، مراحل معاناة السجناء، وانتهت بخاتمة وملحقٍ بالوثائق والصور.

القارئ للكتاب يكتشف فيه سرداً لاعتقال الأُسرةِ والقَسوةِ الَّتي عامَلَهُم بها النِّظامُ المَقبورُ من خلال أجهزتهِ القَمعيَّةِ ومن ثَمَّ استعراضٌ لأحوال السجن من ظروف، ومعاناة، والأحداث الخارجية المتوالية على العراق التي كان لها الأثر سلبا وإيجابا أحيانا على السجناء، وهذا السَّردُ وإنْ كان محورُه أفرادَ الأُسرةِ والسجناءَ الَّذينَ كانوا معهم خلال مدَّةِ السِّجن إلَّا أنَّ ما وراء هذه السطور نكتشف دَلالاتٍ عقائديَّةٍ، ونكاتٍ تاريخيَّةٍ كانت ترافقُ كاتبَ النَّصِّ ليُثبِتَها في طيات سردياته ليُوصلَ القارئُ إلى أنَّ هذه الرواية ليستْ روايةَ أدبٍ فقط، وإنَّما هي عقيدة في أدب ظهر بشكل مذكرات ليعبر عن رؤية في معالجة المواقف والأحداث في ضمن سياقِ حكمٍ قَمعيٍّ طائِفيٍّ حاولَ كَسرَ المعتقداتِ ومُحاربَتِها بَعدَ مُمارستهِ لأبشعِ الانتهاكات وأقسى أنواعِ القَمعِ.

فنحنُ أمام كتابةِ روايةٍ ذاتِ طابع تاريخي يوضح فيها الكاتبُ التَّضحيات من أجلِ الصُّمودِ والمحافظة على المعتقدات التي حاول النظام المقبور بطائفيته المقيتة أن يمحوها، ذاكرًا أبرزَ المواقفِ الَّتي شكلت جداراً أمامَ مشروعه، ومواقفَ أفرادِ الأُسرة وعلمائها اتجاهها، ودورهم في السجن مع السجناء والسجانين، وإذا أردنا تسليط الضوء على أبرز تلك المواقف والرؤى المثبتة في طيات هذه المذكرات فيمكن ملاحظتها في نقاط عدة:

أولاً: نسفُ الشَّرعيةِ الدِّينيَّةِ.

لأهميةِ الجانب الدينيِّ لنظام البعث المقبور، إذ يَعُدُّ العملَ على نَسفِ الشَّرعِيَّةِ التحدي الرئيسَ الذي دخلت الاسرة فيه ومن خلال رفض المشاركة مع حملة السلطة العدوانية في حرب الجمهوريَّةِ الإسلاميَّةِ الإيرانِيَّةِ، إذ تَعَمَّدَ صدام إضفاءَ الشرعيَّةِ الدَّينيَّةِ على الحرب من خلال الماكنة الإعلامية التي استخدمها على الصعيد الإسلامي، وأولى تلك الفعاليات الرئيسة بهذا الصدد هو عقد المؤتمر الإسلامي الشعبي، والذي ضغط به على كبار الأُسرةِ للمشاركة فيه وتصدره لأهمية إضفاء الإعلام وتوجيهه دينياً لصالح النظامِ، ولكسرِ شَوكَةِ المُعارضةِ العراقية الإسلامية.

ثانياً: طائفيةُ النِّظامِ المَقبورِ.

بينما يعيش القارئ في توصيفِ الإجرام اتِّجاه السجناءِ وعمليات الاعتقالِ للرِّجال والنِّساءِ والكبار والصغار يدخل في حالة من الوعي يتركها الكاتب في طيات كلماته عن طائفية النظام ضد الشيعة ومع استطراده بكلمة “إنّها على جميع الأصعدة”، والتمييز الواضح المستند إلى المناطقية والعشائرية والقومية فضلاً عن الطائفية لتلحظ في الشواهد المتعددة المذكورة عن التعذيب، وكذلك إبعاد الشباب الشيعة عن الوظائف ودفعهم كوقود في الحرب الظالمة التي استمرت لسنوات وآخرها اعتقال الأقارب بجريرةِ المسجونِ.

ثالثاً: الحَثُّ على التَّمَسُّكِ بالعقيدة.

في صفحاتٍ كثيرَةٍ من الكتاب تَجِدُ الحوارات مع السجناء هي المصدر الرئيس لتبادلِ المعلومات والمعارف الأولية، وكذلك نقلُ الأخبارِ والأحداث التي كانت تدور بينهم، إذ كان رجال الأُسرة يمارسون الدور التبليغي في الأحكامِ العقائديَّةِ، والفقهيَّةِ، وإحياءِ المناسباتِ الدينية متى ما كانت الفرصة متاحة وبطريقة بسيطة خوفاً من بطش رجالات الأمنِ، والتوصياتِ المستمرةِ في الحثِّ على الصبرِ ومواجهةِ الظروفِ الصَعبةِ المُحيطةِ بِهِم.

رابعاً: تَوضيحُ المفاهيمِ الدِّينيَّةِ.

الاستشهاد بالموضوعات التاريخية ذات الصلة بالأحداث الجارية في ذلك الوقت لخلق وعي لدى السجناء مما يساهم في خلق بيئة فكرية يحتاجها الشاب المتدين والشيعي الذي يتعرض للانتهاك وخضوعه تحت الممارسات القمعية والنفسية، وأمام الأفكار التي انتشرت يلحظ مادة الرواية تركز على دور علماءِ الأُسرة في التركيزِ على بعض المفاهيم الدينية التي تشكل دعامة في حياة التشيع وأُسسهم الفكرية والعلمية أمثال الحوزة العلمية وتسليط الضوء على دورها وأهميتها وكذلك المرجعية الدينية، وبالوقت نفسه تلحظ التركيز على مجريات الأحداثِ وممارسة السلطة الظالمة الأساليب في تزوير الحقائق ونسب التهم وتجهيل المجتمع من خلال التوهين وتشويه الصورة عن الشيعة مما ولد غموضاً كبيرًا عن حقيقة الشيعة في العراق وكذلك في المنطقة.

خامساً: طبيعةُ السُّلوكِ والالتزام الدِّينيِّ للأُسرةِ.

وفي حديثه مثلاً عن والده السيد المرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم (قدس) وما تميز به من صفات كالدرجة العلمية وتأثير ذلك على السجناء وممارسته التوجيه والتربية وحثِّ أبناء الأُسرة والسجناء على الصبر والتحمل وكذلك توجيهم في مجالات عدة لتجاوز الظروف الصعبة، وكذلك يتبين مواقف علماء الأُسرة اتّجاه القضايا العامة والخاصة وسلوكهم الذي عبر عن منهج ساهم في تربية ورعاية السجناء.

ومما نقله الكاتب عن السيد والده رحمه الله: لو لم يكنْ من خَيرٍ في محنتِنا نحنُ آل الحكيم إلّا تخفيف معاناة هؤلاء المعتقلين عندما يشاهدوننا نشاركهم محنتهم ويلمسون تضحياتنا لكفى. لتُعَبِّرَ هذه الكلمةُ عن تعايشِ هذهِ الأُسرةِ مع السجناءِ ونقلهم من خلال السلوك والتبليغ والممارسات الدينية المختلفة إلى واقع وأفراد يعيشون حياة السجن بوعي أمام التحديات والضغوط التي يعيشوها يوميا، لتكتشف بعد إنهاء مطالعةِ المُذكراتِ إلى أنَّ الكاتب بالوقت الذي سردَ أحداثًا مؤلمةً عن حقبةٍ من حياةِ عراقيينَ داخل السجون تكتشف المصطلحات الدينية المستخدمة في الرواية واهميتها في حياة السجناء وتأثيرها فيهم للتفاعل مع القضايا، وتستشف تباعاً محاولات القمع المستمرة ومنهجة التجهيل وممارسات الضغوط لمنع السجناء بمختلف مستوياتهم من ممارسة أي دور تثقيفي بهذا الاتجاه والاستفادة من رجالِ الدِّينِ بهذا الخصوص لتَعرِفَ كَمْ هِيَ مقيتةٌ طائفيةُ النِّظامِ ومُمارستهِ اتِّجاه المُكوِّنِ الشِّيعيِّ في العراق.