ataba_head

المَرجِعِيَّةُ الدِّينيَّةُ وإجرام البعثِ خُلودُ العَطاءِ وأفُولُ الطُّغاةِ

المَرجِعِيَّةُ الدِّينيَّةُ وإجرام البعثِ

خُلودُ العَطاءِ وأفُولُ الطُّغاةِ

 

أ.د. حسين الزّياديِّ

 

اجتمعت في عصابة البعث أبشع وأرذل وأخبث الصفات الإجرامية والأساليب اللاأخلاقية التي ما شهد لها التاريخ مثيلًا، حتى باتَّ من العسير الإحاطةُ الكاملةُ بالأعمال الآثمة التي مارسها هذا النظامُ المسخُ من تعذيبٍ، وقتلٍ، وقمعٍ، وتسفيرٍ، وهتكِ أعراضٍ، وسلبِ أموالٍ، وما إلى ذلك من أساليبَ يعجز القلم عن تدوينها، واللِّسانُ عن سردها، فالمسيرةُ غارقةٌ في الآلامِ، والمآسي، والمِحنِ.

أخذَ نظامُ البعثِ ومنذُ اليوم الأولِ لتسلمهِ السلطةَ يُعبئ إمكاناتهِ لمواجهةِ المرجعيِّةِ الدينيَّةِ، لأنه يدرك جيداً أنَّها تشكل تهديداً لأفكاره المنحرفة وسلوكياته الشريرة، وكانت سلطات البعث ترى في المرجعيَّةِ الدينيَّةِ العقبةَ الكؤودَ الَّتي تَحُولُ من دونِ تحقيق نواياه، لكنَّ الأخيرةَ بنظرتِها الثاقبةِ كانت تُدرِكُ أهدافَ البعث ونواياهُ، وتتحاشى الدُّخولَ في مواجهةٍ غيرِ متكافئةٍ، ولاشكَّ في أنَّ التوفيقَ الإلهيَّ والعنايةَ الرَّبانيَّةَ كانت حاضرةً في كُلِّ توجهاتِ المَرجعيَّةِ لأنَّ عَمَلَها يستند إلى أسُسٍ رصينةٍ خالصةٍ لوجهِ اللهِ تعالى، وقد مارسَ البعثُ المجرمُ سياساتٍ مختلفةً لتقويضِ المرجعية، ونعرِضُ بشيءٍ منَ الإيجازِ بعضَ تلك السياساتِ الإجرامِيَّةِ:-

  1. سياسة التسفير: في نيسان من عام 1969م، حَزَمَ البعثُ أمرَهُ، وقَرَّرَ توجيه ضربة مؤثرة للمرجعية الدينية، فأصدَرَ أوامِرَهُ إلى محافظِ كربلاءَ المدعُو لازم شبيب المالكي بِتَسفيرِ طَلبةِ الحوزةِ العِلميَّةِ منَ الأُصولِ الإيرانِيَّةِ، وَالهِندِيَّةِ، والباكستانِيَّةِ، والأفغانِيَّةِ، وأعطِيَتْ لَهُم مُهلَةَ ستةَ أيامٍ لإنهاءِ ارتباطاتِهم كافة، ومنعتهم من بيع ممتلكاتهم على الرغم مِنْ أنَّ بَعضَهُم وِلِدَ في العراق، وَيُفتَرضُ أن يكتسبوا الجنسيةَ العِراقِيَّةَ على وفقِ قاعدةِ التَّبعيةِ، وكانَ هدفُ البعثِ هو مهاجمةُ الحوزةِ وإخلاءِ النَّجفِ من الوجود.
  2. حاول نظام البعث جاهداً تصفية رجال الحوزة العلمية وقام بحملات اعتقال واسعة، وأُصدرتْ أوامُر الإعدامِ والسِّجنِ المُؤبدِ، ومُنِعَ تداولُ الكُتبِ الدِّينيَّةِ، وأُغلقتِ المدارسُ والكُلياتُ التابعةُ للمرجعيَّةِ الدِّينيَّةِ، وفي عام 1971م بدأت حملةُ الاعتقالاتِ الأُولى، وَنُفِّذَ حكم الإعدام بِحقِّ عبد الصاحب دخيل الَّذي تعرض لأنواعِ التَّعذيبِ فأُنزلَ جسده ببطءٍ في حامض النتريك (التيزاب)، وفي 12 آب 1972م، تَمَّ الاعتقالُ الأولُ للسيِّدِ الشَّهيدِ الصَّدرِ، واشتدت حملات التنكيل عام 1974 بحق طلبة الحوزة ورموزها، وممن له علاقة بها في مختلفِ أنحاءِ العراقِ، فقد نُفِّذَتْ أحكامُ الإعدامِ بحقِّ الشَّيخِ عارف البصري، وعزِّ الدِّينِ القُبانجي، وعماد الدِّينِ الطبطبائي، ونوري طعمة وعماد التبريري، وحسين جلوخان، وقد أعلنَ السَّيِّدُ الخُوئيُّ (قدس سره) الحدادَ العامَ، وتعطيلَ الدِّراسةِ، قائلاً: (والله لقد تمنيت لو أنِّي أُعدِمتُ معهم)، واستمر مسلسل التصفية والاعتقالات خلال عقد الثمانينيات ففي عام 1983 تَمَّ اعتقالُ جماعةٍ من أولادِ السَّيِّدِ مُحسن الحكيم ومُتعلقيه، بلغَ عددُهُم ثمانٍ وأربعونَ شخصًا فيهم الفقهاءُ، والعُلماءُ، والمُثَقفونَ، ولم تكنْ لهم تهمةٌ إلّا أنَّ قريبهم السيد محمد باقر الحكيم.
  3. اتبعت السلطاتُ البعثيةُ سياسةَ الإقصاء، والتهميش، والتعالي، والاضطهاد وجعلتْ المواكبَ، والأضرحةَ، والمساجدَ المقدسةَ تحتَ تصرفها.
  4. حاولت سلطات البعث زرع بعض عناصرها في صفوف طلبة الحوزة العلمية بغية التجسس على تحركاتها وزرع التفرقة.
  5. حاول نظام البعث استمالة المرجعية الدينية لجانبه والحصولَ على تأييدٍ أو تصريحٍ على الأقل يؤيدُ وجودَها وأفعالَها لكنها لم تنجح البتةَ، بل حتى البيانات والتصريحات المكذوبة، كانت مكاتب المرجعية سرعان ما تكذبها وتنفي صدورها.
  6. محاولة تحجيم حضور المرجعية وجعلها مقتصرة على دروس الفقه والأُصول، ومنعها من التلاحم مع الجماهير، فقد كان نظام البعث يستشعر حجم العلاقة بين الجماهير ومرجعيتها.
  7. بعد الانتفاضة الشعبانية فسح نظام البعث المجال لحركة الفكر الوهابي في العراق، ومن ثَمَّ أقدمت على مسلسل اغتيالات علماء النجف ففي عام 1998م تمَّ اغتيال الشَّيخِ مرتضى البروجردي، والشَّيخ عليّ الغُرويّ، وفي عام 1999م تَمَّ اغتيالُ السَّيدِ مُحمّد مُحمّد صادق الصَّدر.