ataba_head

قُضاةٌ ضَحَايا الإرهابِ والتَّطَرفِ للمدَّةِ من 2003-2024م

قُضاةٌ ضَحَايا الإرهابِ والتَّطَرفِ للمدَّةِ من 2003-2024م

قراءةٌ في كتابٍ

 

د. قيس ناصر

باحث وأكاديمي

تزامناً مع الاحتفاءِ السَّنويِّ بيومِ القَضاءِ العِراقيِّ الموافق الثالثِ والعشرينَ مِنْ كانون الثاني، صَدَرَ عَنِ المَركزِ العراقِيِّ لِتوثيقِ جَرائمِ التَّطرفِ التَّابعِ إلى قِسمِ الشُؤونِ الفِكريَّةِ والثَّقافيَّةِ في العَتبةِ العَباسِيَّةِ المُقدَّسةِ، كتابٌ هوَ الأولُ مِنْ نَوعهِ، إذ احتفى بالقَضاءِ العِراقيِّ مِنْ مُنطَلقِ الوفاءِ لدِماءِ الشهداءِ وتَخليداً لِذِكراهُم، هذا ما عَبَّرَ عنهُ مُعِدُّ الكِتابِ الدكتور عباس القريشيِّ – مدير المركز العراقيِّ لتوثيقِ جَرائمِ التَّطرفِ – وقدْ شاركهُ في الإعداد لهذا الكتابِ القاضي كاظم عباس الخفاجي نائبُ رئيسِ مَجلسِ القَضاءِ الأعلى.

إنَّ الكِتابَ فضلا عن السمة الإنسانية الأسمى في عنوان الوفاء للشهداءِ، فإنَّهُ يُسهِمُ في حفظِ الدِّماءِ الَّتي ضَحَّتْ مِنْ أجلِ بِناءِ دَولةٍ عِراقيةٍ مَركَزهُا القَضاءُ، الَّذي اثبتَ صَولاتَهُ في مواقفَ كثيرةٍ بعد عام 2003م، بدءاً من محاكمةِ الطَّاغيةِ وزُمرَتِهِ، فضلاً عن التَّصدي للجماعاتِ الإرهابيَّةِ، ووصُولاً إلى الحُكْمِ في قضايا مَصِيريَّةٍ لمَسارِ الدَّولةِ.

تَضَمَّنَ الكِتابُ تَوثِيقاً للضحايا من القُضاةِ جميعِهِم للمُدَّةِ من 2003م ولغاية 2024م، وبالارتكاِز إلى بيانِ العملياتِ الإرهابيةِ الَّتي استهدفَتهُم وأماكنَ وقوعِها، وما تمَّ ملاحَظَتَهُ بناءً على البيانات الواردة تبَيَّنَ أنَّ هناك حملةٌ منظمةٌ لاستهدافِ القُضاةِ، ولاسيَّما في السنوات الأولى بعدَ سُقُوطِ نِظامِ البَعثِ المَقبورِ، إذ على سبيل المثال، قد جرتْ في يومي (3-4/11/ 2003م) عملياتُ استهدافٍ للقضاةِ، توحي للمتابعِ أنَّها مُمَنهجةٌ، إذ تَمَّ بتاريخ 3/11 اغتيالُ القَاضي موحان الشُّويليِّ حينَما كانَ رئيساً لمحكمةِ جناياتِ النَّجفِ، وعلى وفق معلوماتٍ صحفيةٍ فإنَّ الاغتيالَ قد تَمَّ بَعدَ تَعيِينهِ لمُحاكمةِ رُموزِ نِظامِ البعثِ المقبورِ، وفي اليوم التالي 4/11 تَمَّ اغتيالُ القاضي إسماعيل يوسف صادق وهو نائبُ رئيسِ محكمةِ استئنافِ نينَوى، وفي الموصلِ أيضاً تمَّ اغتيالُ القاضي يوسف خورشيد بعدَ شهرٍ تقريباً من اغتيالِ القاضي إسماعيل يوسف، وفي تاريخ (14/10/2004م) تَمَّ اغتيالُ القاضي عبد الأمير كاظم الشمري في بغدادَ، والقاضي عبد الأمير الرُّبيعي في حوادث منفصلة، والملفت في هاتينِ العمَليتينِ أنّ الاغتيالَ تمَّ في بغدادَ على الرغم من أنَّ القاضيَ الرُّبيعيَّ يعملُ في الحِلةِ، وهذا الشكل من الاستهداف قد سادَ في ذلكَ الوقتِ، وعلى وفق البياناتِ المذكورةِ، فإنَّ اغلبَ العمليات قد نُفذت في بغدادَ، وبشكلٍ مُتكررٍ، وفي يوم 05/01/2005م، تَمَّ اغتيالُ القاضي نور الدين أحمد سلمان وكانَ يَشغَلُ منصبَ قاضي محكمة جنح الناصرية، والقاضي قيس هاشم الشمري – أمين عام مجلس القضاء – بعمليتينِ منفصلتينِ في بغداد، وتوافقُ توقيت تنفيذِ هذه العملياتِ بشكل منفصل، فيه دلالة على أنَّ العملياتِ الإرهابيةِ كانت مستهدفةً القضاةَ بشكل مباشر، وعلى وفقِ عملٍ إرهابيٍّ مُنظمٍ، إذ في بعضِ الأيامِ تَّمَ تنفيذُ عمليتَينِ في اليَومِ الواحد.

لم تكن عمليةُ الاغتيالِ، هي الأُسلوب الوحيد الذي اعتمدتهُ التنظيماتُ الإرهابيةُ في استهداف القضاةِ، إنَّما كانت هناك أساليبُ أُخرى، مثلما جرى مع القاضي جاسم الفراجي في سنة 2005م، والقاضي صلاح عباس حسن في سنة 2007م، إذ جرى خطفهما وقتلهما، وإنْ كان توقيتُ العمليتينِ مختلفاً إلّا أنَّ مكان تنفيذهما واحد وهو (الإسحاقي)، وفي الوقت نفسه، يمكننا القول، اعتِمادًا على البياناتِ المنشورة في الكتاب، أنَّ أُسلوبَ خطف القضاة قد تكرر في كركوك أيضاً، ولم تقتصر على ناحية الإسحاقي، كذلك تمَّ استهداف قضاة آخرين في حوادث تفجير إرهابيةٍ في توقيتات زمنية ومكانية مختلفة، ومن الأساليب الأُخرى للعملياتِ الارهابيةِ، هو استهدافُ بعضِ القضاةِ بعُبواتٍ ناسفةٍ وفي توقيتاتٍ وأماكنَ مختلفةٍ.

ومن الجدير بالذكر، وعلى وفق تحليل بيانات الكتاب، أنَّ الإرهابَ لم يُميز بين هُويةِ الُقضاةِ وانتماءاتِهم سواء أكانت دينية، ومذهبية أم قومية، إنَّما تَمَّ استهدافهم لعنوانهم المهني من دونِ التمييز الهوّيات، ولم يقتصر على استهداف القضاة من الرجال، بل شمل حتى القضاة من النساء، إذ تم اغتيال القاضي أول ابتهال محمد يونس الأغا في محافظة الموصل.

وبهذا التتبع الرّصينِ، والدقيق فإنَّ الكتاب ببياناتِهِ التوثيقية لضحايا الإرهابِ والتَّطرفِ من القضاة للمدة من 2003-2024م، والمتضمنة توثيقَ استشهادِ (73) منهُم يعدُّ إنجازا مهما في مسيرةِ التدوين التي أخذ المركز العراقي لتوثيق جرائم التَّطرف مسؤولية تَبَنِّيها، وَيُعَدُّ جزءًا من الاحتفاء بتضحياتهم أولاً، وتوثيقها للأجيال القادمة، فضلاً عن إمكانيةِ إفادةِ الباحثين من الكتاب في دراسةِ هكذا نوعٍ من العملياتِ الإرهابيةِ الَّتي استهدفتْ شريحةً مُهمةً من شرائحِ الشَّعبِ العِراقيِّ.