ataba_head

حُلمٌ يَتَحَوَّلٌ إلى واقعٍ مُؤلِمٍ

حُلمٌ يَتَحَوَّلٌ إلى واقعٍ مُؤلِمٍ

 

 

أ.م.د. نصير كريم كاظم

باحث في المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف

العتبة العباسية المقدسة

 

 

هنالكَ الكثيُر مِنَ الخبايا الَّتي تَحكي ظُلمَ الحاكمِ والحكومةِ قبلَ عام ٢٠٠٣م، منها ما اندثرَ في صدورِ أناسِ عانتْ الويلاتِ تلو الويلاتِ من نظامِ البعث مِنَ الَّذينَ رحلوا لربّ رحيمٍ، ومنها ما لم يُكتَشفْ بانتظارِ الضمائرِ والاقلامِ المُنصفةِ تجاهَ التَّاريخِ الَّذي مرّ على تلك الحِقبةِ السوداءَ، فالظُّلمُ، والتَّعسفُ، والباطلُ والفردانيةُ المفرطةُ، والاستبداديةُ المقيتةُ لمْ تَطَلْ معارضو نظامَ البعثِ وصدامَ بالرأي والمعتقد فقط، بل شَمَلَوا بالعقابِ حتى مَنْ يَحلُمُ أو تتصورُ له بعضُ الأفكارِ في عقلهِ الباطنِ.

ففي حادثةٍ غريبةٍ نوعاً ما عن سلسةِ الجرائمِ الَّتي اقترفها أعوانُ نظامَ صدام، فَقَد عًقِبَ فريقٌ لكرة القدم في منطقة الزبير من محافظة البصرة، إذ جُلِبوا كمجرمين ليُحاكموا من قبل المجرمِ عواد البندر ،و كان عددُهُم الإجمالي ثمانية عشر فرداً من ضمنهم مدربُ الفريقِ، وأُحِيلَ الكادرُ كلُّهُ إلى محكمةِ الثَّورةِ سيئة الصيت، وكانت تُهمتهم أنَّ أحدَ اللاعبين رأى حُلماً في المنام بحدوثٍ انقلابٍ على السلطة الحاكمةِ، وقَد أخبَرَ به بعضَ اللّاعبينَ من فريقه الَّذينَ بدورهم رَوَوا أحداثَ الحُلُم إلى عوائِلهم، فانتشرَ الخبرُ، ووصلَ بطريقةٍ أو أُخرى إلى عناصرِ أمنِ السُّلطةِ في المَنطِقةِ وعلى إثرها قامتْ الأجهزةُ القمعيةُ باعتقالِ صاحبِ الحُلمِ بمعيةِ كادر الفريق جميعًا، وتَطوّرتْ القضيَّةُ إلى أن أصبحت عملاً سياسياً، بحسبِ المنظورِ الإجراميِّ لنظام البعث وسلطته المستبدة، إذ دُوِّنَتْ إفاداتُهُم في أمنِ البصرةِ، ثُمَّ حُوِّلتْ قضيتهم إلى مديريةِ الأمنِ العامةِ في بغدادَ.

الحادثةُ رواها أحدُ المُعتقلينَ حِينَما كانَ جالساً بانتظار دوره بالمحاكمة في محكمة الثورة المنحلة.

المجرم الحاكم عواد البندر سأل مجموعَ الشبابِ اللَّاعبينَ الَّذينَ هم في نظر السلطة مجرمين: من الذي رأى ذلك الحُلمَ ؟، أجابَ أحدُهُم أنا، فقال له البندر: أنتَ مَنْ حَلمتَ الحُلمَ، قال له. نعم، إنَّهُ مجردُ حُلمٍ راودني في منامي !، فردَّ عليه البندر: ابني أنا أعلم أنّه حُلمٌ، فمكتوب أمامي في الأوراقِ التحقيقيةِ أنَّه حلم، لكن لو أنك لم تفكر بهذا الأمر – الانقلاب على السلطة – لما راودَكَ ذلكَ الحُلمُ، لذا نحكمُ عليك بالإعدام شنقاً حتى الموت أنت ورفاقك الثمانية عشر من فريق كرة القدم.

ويقيناً إنَ هذا النموذج يُوجدُ على شاكلته العشراتُ، بل المئاتُ من الجرائمِ التي طالت الشعب العراقي، وهذه الجريمةُ هي خيُر دليلٍ على أنَّ ظلم سلطة صدام وبعثه المشؤوم لم تستثني أحداً حتى الرياضيين أو جميع من يستحضرُ في نياته، أو أفكاره فعلَ أيِّ شيءٍ يعارضُ نظامَهُم وسُلطتَهم المستَبدةِ.