ataba_head

ولادة تحت بنادق البعثيين

ولادة تحت بنادق البعثيين

بقلم

الدكتورة عطور الموسوي

‎عندما اعتَقلوا عبدَ الحسن وزَوجتَهُ الحاملَ في شهرِها التاسعِ وطفلتيهِ زينبَ وآلاءَ، اقتادُوهم إلى أمنِ الثَّورةِ، فالقضيةُ قد بدأتْ فيها، والاعترافُ قدْ صدرَ منها، والمعلوماتُ قدْ أرسِلتْ فورًا إلى جميعِ نِقاطِ الحُدودِ.

‎وبَعْدَ يَومٍ واحدٍ شَعرتْ زَوجَتَهُ انتصارَ بِالطَلْقِ، وتَمَنَّتْ المَوتَ لحظتَها، وهي تعاني الصدمةَ الكبيرةَ.. هي في قبضةِ أزلامِ البعثِ، وزوجُها تحتَ التَّعذيبِ، وهوَ الَّذي وعَدَها بالحياةِ الآمنةِ بمجردِ عُبُورِهِم الحُدودَ، حيثُ سترفُلُ بالأمنِ والاطمئنانِ، وإنَّهُم سَيُرَبُّونَ أبناءهم وينشِّئونَهُم نشأةً صالحةً بعيداً عن البعثِ وأفكارهِ الهدّامةِ الَّتي ينشأُ عليها أطفالُ العراقِ مِنَ الرَّوضةِ وحتى الكلية…. تأمَلُ أنْ لا يَنطقَ أطفالهُا عبارةَ “بابا صدام” تلكَ العبارةُ الّتي فُرضَت على أطفالِ العراقِ مِنْ لَحظةِ دُخولِهِم المؤسسةَ التَّعليميَّة.

‎ألقَوا القبضَ عليهِم في آخرِ نُقطةٍ حُدوديةٍ، فمن أربعِ نِقاطٍ اجتازوا ثلاثاً وبقيتْ واحدةٌ كانتْ هيَ الفَيصلُ حيثُ وصلتْ المَعلوماتُ الأمنِيَّةُ لَحظَتَها لِيُحَققَ أبو جواد (انجازاً) جديداً في خدمةِ أسيادهِ!!

‎أخذوها إلى مستشفى الولادةِ مكبلةَ اليَدَينِ، ولَمْ يُراعوا آلامَ الوَضعِ الشَّديدةِ الَّتي تُعاني مِنها.. وأنى لها الهَرب وهي لا تَقوى على المَشي مِنْ ثِقِلِ الحَمْلِ وآلامِ الوَضْعِ المُبرحة، ولكنَّهُم خائفونَ مِنَّا نِساءً وَرِجَالاً، هُم يَجِدونَ في المرأةِ الضعيفةِ الواهنةِ الَّتي تَتَصارعُ معَ آلامِ المَخاضِ عَدواً مُهابَ الجانبِ ومعارضًا ذا بأسٍ شديدٍ!!

‎ لقدْ تَمَّ اعتقالها يوم 10/11/1981م، وفي اليومِ التَّالي أحَسَّتْ بالطَلْقِ وآلامه.. عندما أخذوها إلى المستشفى لَمْ تَجِدْ مَنْ تُؤَّمِنُ عندهُ طِفْلَتَيْها الصغيرتَينِ، وهُمَا تَبْكِيانِ معَ بُكاءِ أُمِّهِمَا، ولَمْ يَستَطِعْ أحدٌ مِنَ الحُرَّاسِ أو الضُّباطِ إسكاتَهُما بكلِّ ما يَملكونَ مِنْ رُعبٍ وسَطْوةٍ، كانتا لا تَعرفانِ بَعدُ في أيّ مَكانٍ مُوحِشٍ هُما، ولا تَعِيانِ مَعنىً لأيِّ مَمْنوعٍ عَنهما، التصقتا بأمِّهِمَا الَّتي ما فارقتهما يوما..

‎انتصارُ تُعانِي وتَتَألمُ وجَنِينُها أصرَّ على رؤيةِ النُّورِ في يَوم 11/11/1981م. أخذتْ الطِّفلتَينِ مَعَها فِي سَيَّارةٍ يَسُوقُها أحَدَهُم ويَحرُسُهَا اثنان من الجلادينَ إلى مستشفى العلويَّةِ للوِلادةِ.. في المستشفى أدركت الممرضةُ أنَّ الأمرَ ليسَ طَبيعياً إطلاقًا فهي أول مرةٍ ترى امرأةٍ في حالةِ الطَّلقِ تُكَبَّلُ يَدُها إلى السَّريرِ!!

‎هَمَستْ في أذنِ انتصارَ ما الأمرُ؟ وَمَنْ هؤلاء؟ استَغَلَّتْ انشغالَ الحارسينِ بتَسكِيتِ الطِّفْلَتَينِ اللَّتينِ تَصْرُخانِ وتَنتَحِبانِ، وقَد بُحَّ صَوتَهُما مِنَ العَويلِ فَهُمَا لاي َقوَيانِ على الابتِعادِ عَنْ أُمِهِما، أجابَتها انتصارُ وباختصارٍ وبِسرعةٍ: أنا معتقلةٌ في الأمنِ، وزوجي هناك أيضٍا قَبضُوا علينا ونحنُ على حُدودِ العراقِ وسُوريا..

‎فَهمتْ المُمَرضةُ على الفَورِ، وهي مُمَرضةٌ نَصرانيَّةٌ فَرَبَّتَتْ على كَتِفِها قائلةً: أنا مَعَكِ ولا تَهتَمِّي أبدًا سأعتني بكِ وبِهما.. رَقّتْ لحَالِها وتَعاطَفَتْ معها.. وأنى للبيبٍ وحَليمٍ لا ينفطرُ قلبَهُ على رؤيةِ إمرأةٍ وحيدةٍ أسيرةٍ لدى الجلادِينَ وهيَ في وضعٍ كَهذا.. أدخلوها في غرفةٍ خاصةٍ وأوثَقُوا إحدى يَدَيها إلى السّريِر.. زينبُ وآلاءُ لمْ تَسكُتا، ولَمْ تَهدآ إلّا عِندَمَا أجلسَتْهُما المُمَرِّضَةُ على سريرٍ مُجاورٍ، وَجَلَسَتْ مَعَهُم تُراقِبُ وضعَ الأمِّ وتُهَدِّئ الطِّفلَتَينِ، وقد جَلبت لَهُمَا بَعضَ الحَلوى..

‎وَبَيْنَ الحينِ والآخرِ تَصرُخُ انتصارُ مِنْ آلامِ الطَّلْقِ فتصرخ طفلتاها مَعَها، وحاولتْ جاهدةً ألا يَعلُو صوتُها إلّا إذا أعيَتها الحِيلةُ وفَقَدَتْ صَبرَها.. لم تُمنعْ أيُّ امرأةٍ في العَالمِ ومنذُ خَلقِ الخَليقةِ من التَّعبيرِ عن آلامِ الوِلادةِ إلّا انتصارَ الَّتي ساقَتها الأقدارُ لِتَكونَ تَحتَ رَحمَةِ هؤلاءِ الجَلّادِينَ!!

‎بَعدَ مَخاضٍ عَسِيرٍ غَمَرَتهُ حَسَراتُ الخَوفِ مِنْ مُسْتَقبَلٍ مَجْهُولٍ، وَسَيْطَرتْ عليهِ أشباحُ الرُّعبِ والتَّعذيبِ، وِلِدَ الصَّبِيُّ المُنتَظَرُ عليُّ.. قدْ اتَّفقَ الزَّوجانِ مُنذُ حَمَلتْ إنْ كانَ ذَكَرٍا فَسوفَ يُسَمُونَهُ عَليّاً.. عَلِيُّ الَّذي ما خَطَرَ على بَالِ أمِّهِ يَوماً أنَّها سَتَلِدُهُ وهِيَ محاطةٌ بحارِسَينِ مُسَلَّحَينِ يُوَجِهانِ بُندُقِيَتَيهِما نحوها.. وهيَ تَعجَزُ عَنِ احتِضانهِ كأيِّ أمٍّ لأنَّ يَدَها مكبلةٌ إلى السَّريرِ.. وحيدةً لا زَوجٌ، ولا أهلٌ، ولا أحبابُ… نَعَمْ تَمَنَّتِ المَوتَ على رفقةِ اللِّئامِ.

‎ألبسوهُ مِنَ المَلابسِ الّتي كانتْ قدْ هَيَّأتهَا لهُ منذ أشهرٍ وأخَذَتها مَعَهَا في حَقِيبةِ سَفَرِها، فَقَدْ تَحَسَّبَتْ للغُربَةِ الَّتي تَنْتَظرُها خارجَ الوطنِ، ولَمْ تَتَوَقَّعْ أنَّها سَتَتَغَرَّبُ في وَطَنِهَا..

‎يا وطناً اغتربَ فيهِ الشُّرَفاءُ..

‎وغدا مَرتَعاً للوحُوش..

‎ما بَالُكَ يا وطنِي تَنهَشُ أبناءكَ الضِّبَاعُ؟

‎ما الّذي كُتِبَ على الشُّرَفَاءُ فِيك؟!

‎أيُعقَلُ ما يَحدُث؟

‎ما الَّذِي يُخِيفُهُم فِي امرأةٍ عَزلاء؟

‎حَمَلَتْ حَمْلَهَا وَهنًا على وَهن؟!

‎وتُرعِبُهُم وهي تُصارعُ المَخاض!!

‎حقّاً إنَّهُم جبناءُ يَجتَمِعُونَ مُسَلَّحِينَ قَلِقِينَ أكثرَ من ضَحَايَاهُم..

‎بَعدَ يَومٍ واحدٍ فقطُ اقتادُوها إلى أمنِ الثَّورةِ والنَّاسُ تَنظُرُ إلَيها وهيَ تَنُوءُ بحملِ وليدِها.. الجوُ باردٌ جدّاً.. حَرَصَتْ على المَولودِ فَجَعَلتهُ تَحتَ عباءتِها، وطِفلَتاها تُحِيطانِ بِها خائفتانِ مِنَ الجلادِينَ تَتَعثَّرانِ بخطواتِهِما الصغيرةِ.. مَضَوا جميعًا ليَقضوا أربعةَ عشرَ شَهراً في أسوأ ظروفٍ عاشَها طِفلٌ في العالمِ.. حُرِمُوا مِنَ الحَليبِ، ومِنَ اللَّعبِ، وَمِنْ كُلِّ مستلزماتِ الأطفالِ، بل حُرِمُوا حتى البوح بطُفُولَتِهِم، فليسَ مَسمُوحًا أبدًا أنْ تَصدُرَ مِنهُم ضحكةٌ، أو ضَجةٌ، أو أيُّ صَوتٍ، وإنْ كانَ غَيرَ إرادِيٍّ، فكيفَ بالبكاءِ ومَهما كانَ السَّبَبُ، على أمِّهِم أنْ تُكَمِّمَ أفواهَهُم كي لا تتعرضَ للإهاناتِ والسُبابِ بأقدحِ الألفاظ..

‎أبريقُ الماءِ السَّاخنِ لعَمَلِ رَضعاتِ ولِيدِها عليٍّ مِنّةٌ كَبيرةٌ يَمُنُها عَليهَا الحارسُ.. الطِّفلُ يَصرُخُ، وحليبُ أمِّهِ قدْ جَفَّ تَمَاماً مِنْ هَولِ ما جَرى عَليهَا.. وانتصارُ تُلِحُّ عَلَيهِم إلحاحاً كبيراً كي يَجلِبُوا لها عُلبةَ حَليبٍ فَهُم لا يريدونَ لهذا الطِّفلِ أن يعيشَ.. وما هَمَّهُم إنْ ماتَ جُوعاً ما دامَ ابنًا لمعارضٍ ومعادٍ للحزبِ والثَّورةِ كما يقولون.. ها هيَ حَرائِرُ العراقِ، وها هُم أطفالُ العراقِ يَرفلونَ برعايةِ (قائد) العروبة الَّذي انسلَخَ مِنْ أدنى صِفاتِها.. فأيُّ عَرَبيٍّ يفعَلُ مثلَ فِعلَهُ مع هذه المرأةِ وأطفالِها!!.. فإذا كانَ زوجُها قدْ عارضَ وارتكَبَ ما يُخالفُ حُكمَهُ فمَا الَّذي جَنَتْ هِيَ؟ ماذا جَنى صِغارُهَا؟.. ما ذَنبُهُم ليُحرَمُوا من أبسطِ مُقَوِماتِ الحَياةِ؟ مأساةُ انتصارَ ليستِ الوحيدةُ، بل هيَ واحدةٌ من آلافِ المآسي الَّتي أخفَتْهَا جُدرانِ دوائِر الأمنِ العديدةِ الَّتي انتشرتْ في كُلِّ حَيٍّ، وصَارتْ مَقبَرَةً لأحياءٍ قَدْ لا يَفصِلُهُم عَنْ بُيوتِ أهلِيهِمُ سوى زُقاقٍ وَاحدٍ!!