ataba_head

حَملاتُ الإبادةِ المَذهَبِيَّةِ – سجنُ بادوشَ أُنموذجا

حَملاتُ الإبادةِ المَذهَبِيَّةِ – سجنُ بادوشَ أُنموذجا

أ. د. حسين الزيادي

لَمْ تَنَل مذبحة سجن بادوش التي هي من الجرائم الكبرى لتنظيمِ داعشَ الإرهابيِّ اهتماماً كافياً مِنَ الناحيةِ الإعلاميةِ، حتى أنَّ الرأيَ العامَّ عُموماً لم تَتَضحْ لديه أسبابَ الجريمةِ، وأبعادَها، والظروفَ المحيطة بها، وقد اتصفتْ هذهِ الجريمةُ بالقَسوةِ، والبشاعةِ، والبَربريةِ، وهيَ الجريمةُ الأُولى لتنظيمِ داعشَ عندَ دخولهِ للعراق، وقَدْ أماطتْ الِّلثامَ عن أهدافِ التَّنظيمِ المُتطرفِ، وعن دوافعه، وعن الفتاوى الضَّالة الَّتِي حدَّدتْ حركاتهِ واتِّجاهاتهِ، وأثبَتَتْ أنَّ عطشَ هذه الحركاتِ للمزيِد مِنَ الدَّمِ الشِّيعيِّ لم يهدَأ، ولن يهدَأَ مادامتْ تلكَ الفتاوى العَفِنَةِ موجودةً في السّاحةِ.

بعد استيلاءِ التَّكفيرينَ على سجنِ بادوشَ في حزيران 2014م، ألقى التكفيريين القبضَ على نحو 1500 شخص، ونَقلُوهُم بالشاحنات إلى منطقةٍ صحراويةٍ معزولةٍ تَبعُدُ نَحوَ كيلومترين عن موقعِ السجنِ‏، وهناكَ قامَ التكفيريين بِفَصلِ السُّجَناءِ الشِّيعةِ عن غيرهم، ثم اقتادوهم إلى وادٍ وأجبروهُم على الركوع، ثمَّ أطلقوا الرَّصاصَ عليهِم في الرأس أو الظهر، وقتلوا 670 شيعيًا أعزلاً، كما قال ناجون فَرُّوا بحياتهم بعد أنْ تَظاهروا بالموت والبالغ عددهم 15 نزيلاً، وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش المختصة بمراقبة حقوقِ الإنسانِ قد أعلنت عام 2014م أنَّ مسلحي التنظيم نفذوا على نحو ممنهجٍ عملياتِ إعدامٍ بحقِّ 670 نزيلاً في سجن بادوش الذي يُعَدّ ثاني أكبر سجنٍ في العراقِ.

إنَّ عملياتِ الإعدامِ الجماعيةِ المُرَوِّعَةِ الَّتِي ارتُكِبتْ بِنُزلاءِ سجنِ بادوشَ من الشيعةِ ترقى إلى مصافي جرائمِ الحربِ، والجرائمِ ضدِّ الإنسانِيَّةِ؛ لتوفرِ أركانِها المادِيَّةِ والمَعنَويَّةِ، لذا نرى من الضرورة بمكان التعريف بهذه الجريمةِ أمامَ المجتمعِ الدَّوليِّ والمؤسساتِ المعنيةِ بحقوقِ الإنسانِ، والسَّعيِّ في اتخاذ قرار من المنظمات والمؤسسات الدولية بإدانة الجريمة وعَدِّها جريمةَ أبادةٍ جَماعِيَّةٍ أو جَريمةً ضدَّ الإنسانيةِ كونَها ارتُكِبتْ وفق أسسٍ ومعاييَر مذهبية بحتة ترمي للقضاءِ على طائفةٍ مُعَينةٍ.

إنَّ التَّطرفَ الفِكريَّ وما جسَّدَهُ مِنْ إرهابٍ، وجرائمَ قتلٍ، وإبادةٍ لم يأتِ من فراغٍ، إذ لاشكَ في أنَّ التراثَ المنحرفَ الذي اتكأتْ عليه التنظيماتُ المتطرفة هو المغذي لروح الكراهيةِ عندهم، فقد وردَ في بعضِ الفتاوى الَّتي تبلغُ حدَّ التَّقديسِ لدى أصحابِ الفِكرِ المُتطرفِ (فأمَّا قَتلُ الواحدِ المَقدُورِ عَليهِ من الخَوارجِ كالحَرورِيّةِ ،والرّافضةِ ونحوهِم؛ فهذا فيه قولان للفقهاءِ، والصحيح أنَّه يجوزُ قتلِ الواحدِ منهُم؛ كالداعيةِ إلى مذهبهِ ونَحوِ ذلك مِمَن فيه فَسادٌ؛ فإنَّ النَّبيَ صلى الله عليه وسلم قال: (أينَما لقيتموهُم فاقتُلُوهم) ولأنَّ هؤلاءِ من أعظمِ المفسدينَ في الأرضِ فإذا لمْ يندفعْ فسادُهُم إلَّا بالقَتل قُتِلوا*!!!

إنَّ مثل هذه الفتاوى وغيرها كثير هي التي أنتجت القَتَلة والمجرمين باسم الدين الإسلامي، وهي التي تُؤسسُ للفتنة وشيوع القتل والفوضى في بلاد المسلمين، وقد تناسى اصحاب الفتاوى تلكَ، ومَنْ تَبِعَهُم أنَّ التاريخ يفرض وجود الأديان والمذاهبَ، ولن تستطعَ أيُّ قوةٍ في العالمِ أنْ تقضيَ على ديانةٍ أو مذهبٍ مهما كانت درجة البطش والقمع والتعسف، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمذهب ينمو ويكبرُ كلَّما سال المزيد من دمه، فالدماء التي سالت في العراق لنْ تزيدَ الحقَّ إلَّا رسوخاً وتَجذراً.

* مجموع الفتاوى، ج28، ص 499 – 500، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة، سنة النشر: 2004/1415هـ