ataba_head

حضورُ الفنِّ ضَرُورةٌ في توثيقِ جرائِمِ التَّطَرُّفِ

حضورُ الفنِّ ضَرُورةٌ في توثيقِ جرائِمِ التَّطَرُّفِ

د. قيس ناصر

باحث وأكاديمي

إنَّ جرائم التطرف تعد تعبيراً عن القسوة، التي بطبيعتها تتجاوز حدود العقل والتفكير النظري، مما يجعلها أحد المواضيع، التي قد تجعل مهمةَ العلوم الاجتماعية معقدةً في التعامل معها، فعالم الكتابة والتفكير المجرد ربَّما يميل إلى تجنب مناقشة القسوة بشكل مباشر، لأنها تتعارض مع المفاهيم الأخلاقية أو تكون صعبة التحليل والفهم، إلّا أنَّ هذا الموضوع في عالم الفن، يكون مختلفاً ويأخذ مساراً آخر، فالفن يمكنه أن يكون منبراً لاستكشاف الجوانب العميقة والمعقدة من القسوة، فهو يسمح للفنانين بالتعبير عن التجارب الإنسانية بطرق مختلفة، حتى لو كانت مؤلمةً أو صعبةً، ويمكن للفن أن يكون وسيلة لنقل الرسائل القوية حول القسوة والعذاب بشكل يلامس العواطف ويثير التفكيرَ والتأملَ.

ويمكن للفن تجسيد الصور القوية، والتعبير عن القسوةِ بطرقٍ تبعثُ على التّأملِ والتفكيرِ، مما يسمح للمتلقي بفهم واقع تلك التجارب والمعاناة بشكل أكبر من دون الحاجة إلى الكلمات أو النظريات المعقدة.

والفن هو نفسه، قد تعرض لعملية إبادة ثقافية ولاسيما مع الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي في العراق عبر استهدافه لإرث العراق الحضاري، وبشكل خاص في المناطق التي سيطر عليها، وفي الوقت نفسه فإنَّ تحديد مفهوم الإبادة الثقافية بحاجة إلى جهد معرفي، إذ يرتبط بمفهوم الثقافة الذي له تفسيرات متعددة، ولكن يُمكن تصوره عبر تعريفات تشير إلى إقصاءِ الجماعة من خلال تدمير هُويتها الثقافية.

هذا الشكل من أشكال الإبادة الثقافية تمثل بتفجير دور العبادة التي لا تتوافق مع توجهات داعش الإرهابية، ومحو كل ما يتعارض مع رؤيتها وأفكارها، إذ تم تدمير المتاحف والمعالم الثقافية المهمة.

إنَّ هذه الأفعال الوحشية التي ارتكبها الإرهابيون في العراق لها تداعيات واسعة ومن الصعوبة معالجتها، حيث أدت إلى فقدان جزء كبير من التراث الثقافي ليس العراقي فحسب، إنَّما التراث الإنساني بشكل عام، وتعزيز الوعي بهذا النوع من الجرائم يُعد خطوة أساسية نحو منع تَكرارها في المستقبل.

وفي سياق الحديث عن الفن وأهميته، تظهر أهمية المتاحف، إذ إنَّها تؤدي دوراً مهماً في دراسة وتوثيق جرائم التطرف، وذلك من خلال توفير فضاءات للمساهمة في حفظ الذاكرة ومنع تكرار ما حدث، كوسيلة للمساهمة في التوعية والوقاية منها.

لقد قامت بعض الدول التي عانت من جرائم التطرف بإنشاء متاحف لحفظ ذاكرتها وتوثيق التجارب الصعبة التي مرت بها، على سبيل المثال: في ألمانيا، وجنوب أفريقيا، والبوسنة، ورواندا، أُنشئت متاحف لتسليط الضوء على ذلك التاريخ الصعب من أجل الحفاظ على الذاكرة الجماعية.

ومع ذلك فإن هذه التجربة في العراق، تظهر بشكل خجول، وقد يكون ذلك نتيجة لحجم المأساة التي حدثت وتحديات البنية التحتية ومتطلباتها، وعلى الرغم من ذلك، فهنالك ضرورة لتعزيز هذا الجانب وتطوير مشاريع المتاحف التي تخصص نفسها لحفظ ذاكرة الجرائم وتسليط الضوء على تجارب الضحايا.

ولعل ما تم ملاحظته من خلال التجارب الدولية، إنّها قد حوّلت مواقع ارتكاب الجريمة أيضاً إلى متاحف كشاهد لحفظ الذاكرة، هذا من جانب، ومن جانب آخر تفتقر الساحة الفنية العراقية (سينما، ومسرح، ودراما…الخ) إلى وجود عمل فني –وإن كانت هناك بعض الإعمال الفنية- يناقش ما جرى ويوثق هول ما حدث وما ارتُكِبت من جرائم سواء في الإبادات والمجازر أم في التهجير القسري والنزوح، وما نتج عن كل تلك الجرائم.