ataba_head

الإرهاب التربوي الممارس من قبل البعث

الإرهاب التربوي الممارس من قبل البعث

أ.م.د. نصير كريم كاظم

باحث في المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف

العتبة العباسية المقدسة

     لم يكن الإرهاب الجسدي والنفسي وحده الذي يمارس من قبل نظام البعث ، ففي عهد المقبور صدام أُبعد عدد ليس بالقليل من الكفاءات العلمية والتربوية التي يُشار لها بالبنان ، وغادر العراق خلسة ما تبقى منهم ، مستثنياً من يؤيد حزب البعث ، أو من  لم يعارض النظام واكتفى بالسكوت على الأقل ، وبناءً على تلك المنهجية الاقصائية تم قبول أعضاء الحزب في الجامعات بدون أي مؤهلات ، فضلاً عن مميزات خاصة تقدّم لأبنائهم أثناء القبول الجامعي أو الحصول على الوظيفة ، تطبيقاً لمقولة نقلت عن الملعون صدام حسين (الولاء أهم من الكفاءة) التي نفذها حرفياً موالوه من البعثيين .

إذ بدأت المنهجية الحزبية لتبعيث المناهج التربوية، والمؤسسات والدوائر التعليمية منذ حملة مكافحة الأمية في السبعينات، فقد ملئت كتب الدراسية بتمجيد ورفعة حزب البعث وقياداته البارزة  بما يضمن ترسيخ الثقافة القومية المتشددة ، ومع تسنم الهدام  للسلطة في العراق ، أصبح هذه السياسة التعليمية سياسة سلطوية رسمية ، لا سيما في المدارس الثانوية  والجامعات ، فضلاً عن المراحل الابتدائية والمتوسطة ، إذ كان يزج بأطفال العراق بما يسمى (الطلائع) ، ويافعيهم (بالفتوة) ، وشبابهم ما بين معسكرات تعبوية و(جيش شعبي) إلى أن وصل الحال لـ(جيش القدس وجيش النخوة) ، كل ذلك أدى إلى عسكرة المجتمع العراقي  وفرض الانتماء الحزبي بأشكال تعسفية متعددة منها  التهديد والضغط والابتزاز والسجن إلى أن تصل العقوبة للإعدام إن لزم الأمر ، واضحى نتيجة لذلك – تربوياً وأكاديمياً – إلى إنشاء ما يسمى الاتحاد الوطني الطلابي ليكون عيناً بعثية مشرئبة محصيةً أنفاس الكادر التعليمي والطلبة ، ومدوناً كل ما من شأنه إثارة الريبة والقلق تجاه حزب البعث أو مواليه ، فضلاً عن مساهمته في اختيار طلاب البعثات الخارجية ، التي من شرطها الرئيس انتماء المبتعث لذلك الحزب المشؤوم ، ووفق تلك المنهجية  انتمى العدد الكثير من الطلبة انتموا للبعث ، أو صاروا في نظر مريديه من مؤيديه دون أي قناعة تذكر خوفاً ورهبةً  ، فضلاً عن أن معظم الأساتذة الجامعيين اضطروا للانتماء للحزب بعضهم عن قناعة فكرية أيديولوجية وسياسية، والبعض الآخر اضطرارا للحفاظ على الوظيفة للسبب نفسه، إذ كان تدخل الأجهزة القمعية التابعة للنظام يثير القلق  والخوف لدى المنتمين للجهاز التربوي ، وكان ذلك التدخل شاملاً لكل مفاصل التربية والتعليم ، مما ساعد في خلق أجواء غير طبيعية في ذلك السلك ، وكل تلك الأساليب  لوضعه في خدمة السلطة ، وأيديولوجيتها وسياساتها المنحرفة ،  كما سرت تلك المنهجية الظالمة التي قام بها النظام إلى تشويه تاريخ عراق الرافدين بعنوان ‘ إعادة كتابة التاريخ’، وذلك بأدلجة ما يرونه مناسباً من صفحات التاريخ العربي، وتعتيم كل ما لا يصب منه في مصلحتهم الفئوية والقومية ، لإرضاء غرورهم القومي، وتوزيع صكوك الوطنية على فئات من العراقيين، فضلاً عن التشكيك في فئات واسعة في المجتمع العراقي ، بالخصوص الشيعة العرب والكرد الفيليين ، الذين أدرجوا في خانة التبعية للمجوس، والذين سرعان ما تم تهجير معظمهم بأكثر الأساليب وحشية  وبربرية من قبل النظام الفاشي الصدامي .