ataba_head

جريمة إعدام التجار العراقيين في 1992م

جريمة إعدام التجار العراقيين في 1992م

جريمة إعدام التجار العراقيين في 1992م

د. قيس ناصر

باحث وأكاديمي

 

   ضمن سياق القرارات الإجرامية، تم صياغة قرار مجلس قيادة الثورة المنحل بتأريخ 11 آب 1990، الذي استند إليه منفذو الإعدامات، وهو من جملة القرارات التي اعتاد العراقيون التعرض إليها في ظل نظام البعث، إذ نص القرار المذكور على إعدام كل من يحتكر المواد الغذائية لأغراض تجارية باعتبارها جريمة وعملاً تخريبياً ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، وعلى وفق هذا القرار تم إعدام مجموعة من التجار الذين يمارسون مهنة التجارة، وعلى الرغم أن سياق هذ القرار الإجرامي، لم يكن وليداً للتاريخ المذكور، إنّما يمكن إرجاعه إلى جملة من السياسات والقرارات السابقة، التي، منها: سياسة التأميم في 1964، وحادثة غرفة تجارة بغداد سنة 1980، اللتين تحدث عنهما الباحث في مقالتين سابقتين تم نشرهما في موقع  المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، ونتيجة لتلك السياسات تعرضت البنية الاقتصادية العراقية إلى التغيير الشامل، لكن مع قرار آب 1990وتطبيقاته في سنة 1992 وما بعدها، فإن التجار أنفسهم هم الضحايا وليست تجارتهم فحسب، ففي الحوادث الأولى تمت مصادرة أموال التجار أو تهجيرهم، أما في حادثة التسعينيات فتم إعدام التجار أو سجنهم أو قطع أيديهم أو الوشم على جباههم، فضلاً عن مصادرة أموالهم ومنعهم من السفر، مع تأكيد القول بوجود حالات إعدام لبعض التجار بشكل فردي، نتيجة تهم كيدية صاغها النظام البعثي في فترات سابقة.

    في سياق السياسات الإجرامية التي اتبعها النظام البعثي بحق الاقتصاد العراقي، ما ورّد في التقرير السياسي للمؤتمر القطري الثامن لحزب البعث في سنة 1974 عبر تأكيد تحكم الدولة التام في التجارة الخارجية والتحكم المركزي في التجارة الداخلية ضمن مجموعة أهداف شعبوية أخرى، سعى حزب البعث إلى تحقيقها، ونتج عنها اقصاء تام للقطاع الخاص ودمج السلطتين السياسية والاقتصادية، بحيث أن الأخيرة اصبحت تابعة للأولى، عبر خليط نتج عنه أيضاً قطاع خاص إلا أنه تابع إلى السلطة ومسانداً لنظامها.

   إن حادثة إعدام تجار المواد الغذائية في التسعينيات، لم تقتصر على تجار الجملة بل شملت بعض أصحاب الأكشاك والباعة المتجولين وبعض العاملين في تلك المحال التجارية، في حادثة لم يكن هدفها اقتصادي أو منع الاحتكار كما هو مُعلن، إنّما تأتي ضمن سلسلة الجرائم التي ارتكبها النظام البعثي، من أجل بث الرعب والخوف في نفوس العراقيين، لتكتمل معاناتهم في ظل حصار اقتصادي جائر، بإشراف مباشر من صدام وأخوته وطبان والسبعاوي.

   وسياسة الخوف التي اعتمدت مع الضحايا من التجار كانت مدروسة فيروي أحد التجار الضحايا من الذين قطعت أيديهم في سنة 1995م بعد أن خفف عنه حكم الإعدام، إذ أن قضية التجار لم تنته مع سنة 1992، بل استمرت فضلاً عن إصدار قرارات أخرى من مجلس قيادة الثورة المنحل، وضمن اللقاءات المسجلة في أرشيف المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف التي يمكن الرجوع إليها، يروي الطريقة التي كان منتسبو الأجهزة القمعية يتعاملون بها مع التجار من ظروف الاعتقال التي شملت أحياناً العديد من أفراد العائلة، وظروف السجن سواء مع الذين نُفذ بهم حكم الإعدام أم الذين قُطعت أيديهم عبر محكمة صوّرية على حد تعبيره وأساليب التعذيب التي مورست بحقهم .

   إنَّ طريقة تعامل النظام البعثي مع تجار القطاع الخاص سواء في سنة 1964 أم في سنة1980 وصولاً الى تسعينيات القرن العشرين من 1992 وما بعدها ساهمت في إنشاء نظام اقتصادي مشوه، لا زال العراق يعاني منه إلى اليوم، ففي مرحلة 1964-1980، كان الهدف منها اقصاء فئة من التجار، أما في مرحلة التسعينيات، فكان الهدف منها تأكيد سياسة الخوف التي كان يعتمدها النظام البعثي، عبر الجرائم التي ارتكبها بحق الضحايا من التجار.