ataba_head

التهجير والنظام السياسي في العراق (1963-1991م)

التهجير والنظام السياسي في العراق (1963-1991م)

التهجير والنظام السياسي في العراق (1963-1991م)

د. قيس ناصر / جامعة البصرة

 

   صدر في بداية عام 2023م كتاب التهجير والنظام السياسي في العراق 1963-1991م للدكتور عامر صالح البصري، وهو من الكتب المهمة التي تناقش هذه المسألة، فما جرى في العراق من انقلابات عسكرية داخلية للسيطرة على السلطة، وحروب عبثية مع دول الجوار، كل ذلك ساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في إجراءات سلطوية لتغيير البنية الاجتماعية العراقية، ولعل أبرزها عمليات التهجير التي قامت بها سلطة حزب البعث في العراق .

   إن الدراسات عن التهجير القسري في العراق تعد محدودة جداً، ومن ثم، فإن أية دراسة في هذا المجال تعد من الدراسات التي تؤسس لما بعدها، وفي الوقت نفسه تُعد مدخلاً لفهم الحقبة السياسية مدار البحث، فالتهجير بالنتيجة هو انعكاس أو تمثيل لها. وفي السياق ذاته، فإن هكذا دراسات معرفية، تحتاج إلى موضوعية عالية من الباحث ؛ لأنه يشتغل على دراسة لا تخلو من ميول تدعوه للتعاطف مع من تعرض للتهجير القسري .

   إن جريمة التهجير القسري التي ارتكبها نظام حزب البعث في العراق قبل 2003م، لم تقف عند هذا التاريخ، إنما استمرت لما بعده، فالتهجير شمل مصادرة الاموال والممتلكات، ومنحها إلى آخرين، وبعد 2003م، وعودة أغلب المهجرين ظهرت مشكلة أخرى، منها اجتماعية، متمثلة بتعامل المُهجر مع مستوطني أرضه، وأخرى قانونية، وهي كيفية إرجاع هذه الممتلكات والحقوق التي سُلبت، وهذه المسألة تحتاج إلى دراسة منفردة، لبيان الجهود القانونية الحكومية، ونتائجها .

   إن تسليط الضوء على هكذا نوع من الموضوعات، يُعد مهماً جداً؛ لأن سلطة حزب البعث قد غيبت هذا الأمر عن العالم، عبر اخفاء كل البيانات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي منها التهجير، وفي هذا السياق، فإن الموضوع سيتطلب دراسة وثائقية للوقوف عند البيانات والأحكام المتوفرة، للإفادة منها في توثيق عملية التهجير، وأخرى اجتماعية ونفسية، لمعرفة أحوال المهجرين وتفاعل المكونات الأخرى معهم، فضلاً عن الدراسة القانونية التي تؤسس لوضع القواعد القانونية التي تكفل عدم تكرار التهجير، وبالتأكيد لم يغب العامل السياسي ودوره في التهجير.

 ومن الجدير بالذكر، إن دراسة التهجير القسري في العراق، يرتبط بدراسة طبيعة النظام السياسي في تلك الحقبة، وطريقة تعامله مع التنوع الثقافي، سواء أكان تنوعاً دينياً، قومياً، أم مذهبياً، وما الهوية التي أراد لها الهيمنة وفرضها على هذا التنوع، فمن خلال التهجير والجرائم الأخرى التي ارتكبها تبدو للعيان وبشكل واضح إن نظام حزب البعث في العراق، لم يسع إلى بناء هوية جامعة كما هو متخيّل عند بعضهم، إنما هي هوية اقصائية ساهمت بتهجير مئات الآلاف من العراقيين. كذلك يرتبط بالتهجير دراسة موضوع المعارضة السياسية ومصير كل من يعارض السلطة سواء بالإعدام والسجن أم التهجير، إلا أن الأخير أي التهجير لم يكن فردياً إنما شمل جماعات بأكملها وليس أفراداً أو عوائلَ كما حدث مع الجرائم الأخرى التي ارتكبها حزب البعث في العراق .

لعل من النقاط المهمة التي ينبغي الالتفات إليها في دراسة هذا الموضوع، هو ضرورة جمع وأرشفة كل ما كتبه الذين تعرضوا للتهجير القسري، من دراسات وأدب (رواية، قصة، شعر) تُعبر عما تعرضوا له، فهذا شاهد على تلك الحقبة وفي الوقت نفسه يُعد مصدراً رئيساً للباحثين والمهتمين في دراسة التهجير القسري، وهذا ما أدركه مؤلف كتاب التهجير، ومن الواجب القول إن ما تم تقديمه في هذا المقال، هو مجرد الاشتغال على عنوان الكتاب فقط كمدخل لدراسة الموضوع، أما مضمونه ومحتواه فهو ثري جداً من الناحية المعرفية، ولا يمكن لأي باحث مهتم بالموضوع تجاوزه أو الاستغناء عنه .