ataba_head

 وثائق من أدلجة حزب البعث للمؤسسات التعليمية (2)

 وثائق من أدلجة حزب البعث للمؤسسات التعليمية (2)

 وثائق من أدلجة حزب البعث للمؤسسات التعليمية (2)

الباحث : عبد الهادي معتوق الحاتم

منذ استيلاء حزب البعث المباد على السلطة في العراق سعى وبشكل ممنهج ومنظم لتخريب الحياة بأشكالها كافة، وبما أنَّ حكم حزب البعث كان حكماً شمولياً ، فقد قام بفرض ثقافة الحزب الواحد باعتبار أن البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع في العراق , وبناءً على هذا التوصيف سخّر البعث كافة إمكانيات الدولة لنشر هذه الثقافة من خلال تمجيد صورة القائد الأوحد ونعتة بالكثير من الصفات , من هنا انطلقت الآلة الإعلامية والدعائية لتنفيذ سياسة التبعيث الإجباري , لذا كان لزاماً على العراقيين أن يستمعوا لخطب ولقاءات ووصايا القائد في البيت والمدرسة والجامعة والمستشفى والمعسكر والشارع , إلا أن أخطر مفصل من هذه المفاصل كانت الجامعة ، فحاول النظام وبالأساليب كافة السيطرة على هذه الصروح العلمية من خلال الترويج لثقافته وأفكاره, وبالتأكيد ومن خلال مجموعة من الممارسات وبأسلوب الترغيب والترهيب  استطاع البعث من إيجاد أرضية استطاع من خلالها التغلل إلى عقول المجموعة من المنتفعين والانتهازيين والأصوليين وبدأ بتسخيرهم لتجميل وتلميع صورة النظام وطرح ما سمي في ما بعد بنظرية القائد الضرورة , وفي ظل نظام صدام حسين، ازدادت عملية إبعاد الكثير من الكفاءات التي بدأت في زمن أحمد حسن البكر، باستثناء من يؤيد حزب البعث، أو من لا يعارضه على الأقل، وبناءً عليه فقد تم قبول الحزبيين في الجامعات بدون مؤهلات تذكر، هذا فضلًا عن الامتيازات التي تقدّم لأبنائهم في القبول الجامعي والحصول على الوظيفة, وقد كانت مقولة صدام حسين “الولاء أهم من الكفاءة” هي أساس تبعيث الجامعات العراقية .

هذه العملية خلّفت لنا فيما بعد إرثاً متراكماً ومجموعة من الأكاديميين الذين حصلوا على هذا اللقب العلمي الرفيع بدون وجه حق وبلا استحقاق حقيقي ودون أن يخضع إلى المعايير والمقاييس العلمية الرصينة , فبمجرد تناول الحديث لا يمكن الطعن بهم ولا يستطيع أحد أن يعدل عليه لذا فرسالة ماجستير تحت عنوان ( ترجمة التعابير البلاغية في أحاديث السيد الرئيس) حصلت على أعلى الدرجات لأنَّ صاحب الرسالة ترجم المقولة المأثورة للقائد الضرورة           ( شوكت تهتز الشوارب ).

ولم يقتصر الأمر على القائد الضرورة وحزبه ، بل تعدّاه إلى أفراد العائلة الكريمة وما حولها من حاشية , لذا لم تجد الباحثة عنواناً أفضل من عنوان (الفكر القيادي للأستاذ عدي صدام حسين ) لتعنون به رسالتها لنيل شهادة الماجستير وطبعا يبدأ البحث بالحديث عن أصل الأستاذ ونشأته ، ثم بذكر مناقبه وفضائله وصولاً إلى عدد هائل من الشهادات والألقاب العلمية التي حصل عليها.

أما الجهات التي اشتركت في عملية التبعيث فهي أجهزة الأمن والمخابرات والجهاز العسكري وأجهزة الشرطة والحزب في تدعيم النظام السابق وتم تبعيث جميع الجامعات العراقية فضلاً عن بقية  مؤسسات الدولة، وبشكل عام فقد تم تبعيث حتى المحاكم المدنية والعسكرية، ومارس حزب البعث دوراً رقابياً صارماً على الشعب وعلى كل المستويات مستغلاً البيانات الرسمية للمواطنين لمساكنهم ودوائرهم ، وأجبر المواطن على تقديم البيانات والمعلومات السياسية والحزبية والمذهبية كافة وأخضع من خلالها المواطن لرقابة الحزب وعمل من خلال أفراده على رصد جميع نشاطات المجتمع وبالخصوص من كان غير منتمي للحزب الحاكم.

ومارس حزب البعث ضغوطه وتهديداته ضد كل من لا يريد الانتماء إليه فعمل على إحالة العشرات من أساتذة الجامعات وموظفيها الجامعيين إلى التقاعد كما بيّناه ، وقام باعتقال وإعدام الآلاف من التدريسيين والموظفين وطلبة الجامعات، في الوقت الذي أعطى فيه الامتيازات الخاصة للمنتمين إليه ، وخصوصاً الذين كتبوا بحوثهم وأطاريحهم حول صدام وفكره النتن ، وبذلك أحدث البعثيون شرخاً قوياً في روح المواطنة جعلت البعثي في الدرجة الأولى من المواطنة.

ومارست أجهزة الأمن وغيرها أسلوب الإكراه لاخضاع الناس على الطاعة العمياء ويحقق في ذلك سيطرته، ولم يسلم أحد من سطوتهم، وابتلي الناس ببلاء عظيم أخاف فيه الحزب الناس بوسائله المتعددة في محاربة طبقة المثقفين وأصحاب الرأي.