د. علي صويح عيادة
على المستوى الاجتماعي، اتبع نظام البعث سياسات متغيرة تجاه العشائر والبنى الاجتماعية التقليدية، فرغم أن الخطاب البعثي المبكر انتقد العشائرية بوصفها مظهرًا تقليديًا، فإن القيادة لجأت في مراحل لاحقة، وبصورة أوضح في تسعينيات القرن العشرين، إلى استمالة زعامات عشائرية وتوظيفها في الضبط المحلي، وعمل النظام على تهميش وتفكيك مراكز القوى المستقلة التي قد تشكل تهديداً له، مثل بعض العشائر الكبيرة أو الزعامات الدينية أو الشخصيات الوطنية التي رفضت الانضمام إلى مشروعه، واستخدم في ذلك أساليب متعددة، من المصادرة المالية للأراضي والعقارات، إلى الاعتقال والاغتيال في بعض الأحيان، واستهدفت عشائر معينة في مناطق مثل الفرات الأوسط والجنوب وبعض المدن العراقية الاخرى، خاصة تلك التي كانت لها تاريخ في المعارضة أو الاستقلال.
وفي مقابل تهميش زعامات مستقلة، استمال النظام زعامات محلية أخرى من خلال الامتيازات والمواقع الإدارية والموارد، ولا سيما في التسعينيات، وقد أسهم ذلك في جعل بعض العلاقات العشائرية جزءًا من شبكة الوساطة مع مؤسسات السلطة؛ دون أن يعني خضوع جميع العشائر أو أفرادها للنهج نفسه.
وأسهمت هذه السياسات في إعادة توظيف الروابط العشائرية سياسيًا، وبرزت المحسوبية والوساطة لدى بعض النخب المحلية .
وفي بعض البيئات، عززت سياسة الامتيازات الانتقائية وزن الروابط المحلية على حساب الثقة بالمؤسسات العامة، غير أن آثارها لم تكن متماثلة على المجتمع العراقي كله، وبقيت صيغ متنوعة للهوية الوطنية والتضامن الاجتماعي قائمة.
وكانت العلاقة مع المؤسسات الدينية معقدة ومتوترة، فمن ناحية كان الخطاب البعثي علمانياً في جوهره، ويرى في الدين قوة منافسة على الولاء والهوية، ولكن من ناحية أخرى أدرك النظام أهمية الدين بأنه عامل مؤثر في المجتمع العراقي، وفرض النظام قيودًا على نشاط العلماء والمؤسسات الدينية الشيعية، وتعرض علماء وطلاب دين للاعتقال أو الملاحقة، وقُيدت بعض الشعائر والتجمعات الدينية، ومنها المواكب الحسينية والزيارات، وتختلف درجة المنع والرقابة من سنة إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى.
-سياسات الهوية والإثنية: القومية العربية بوصفها أيديولوجيا مهيمنة
أما على صعيد الهوية الوطنية والإثنية، فقد انتهج النظام سياسة قومية متشددة تتعامل مع التنوع العراقي على أنه عيب يجب تجاوزه، وكانت المناطق الكردية ساحة للتطبيق الأقسى لهذه السياسة.
وشنّ النظام حملات عسكرية متكررة ضد الحركة الكردية، مستخدماً القوة العسكرية المفرطة، بما في ذلك القصف الجوي للمناطق المدنية، واستخدام الأسلحة الكيميائية في بعض الحالات (كما في حلبجة عام 1988، لكن الجذور تعود إلى سياسات سبقت ذلك)، وكان الهدف المعلن هو “القضاء على التمرد”، ولكن الهدف الحقيقي كان إخضاع المنطقة كلياً، وتدمير أي أمل في الحكم الذاتي الحقيقي.
اتخذت سياسة التعريب القسري صورًا متعددة، ولا سيما في كركوك ومناطق أخرى متنازع على تركيبها السكاني، شملت نقل سكان من الكرد والتركمان وإعادة توزيع ملكيات ومساكن، وغيّر النظام أسماء مناطق وقرى كردية وتركمانية، وفرض قيودًا على استعمال الكردية وعلى التعليم بها في مناطق معينة، ومن ذلك الحظر الرسمي لتدريس الكردية في منطقة كركوك منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، وفق توثيق هيومن رايتس ووتش، وطالت سياسات التعريب الأسماء والهوية الثقافية، ودُمّرت آلاف القرى الكردية في سياق سياسات التهجير والقمع الممتدة عبر عقود، وتعرض سكان مناطق واسعة إلى النقل القسري نحو مجمعات خاضعة للرقابة، وتقدّر هيومن رايتس ووتش تدمير آلاف القرى خلال حملة الأنفال الأساسية، فيما يشمل نطاق التدمير الأوسع قرى أخرى قبلها وبعدها.
وتعرضت جماعات وفعاليات شيعية لأشكال متعددة من الرقابة والاعتقال والإقصاء، ولا سيما النشاط الديني والسياسي الذي عدّه النظام معارضًا، وشهدت مراحل مختلفة قيودًا على المجالس والشعائر الحسينية ومراقبة للحوزات العلمية والمساجد والحسينيات، وتعرّض علماء وخطباء للملاحقة والاعتقال.
وأثرت شبكات القرابة لصدام والانتماء المحلي في شغل المناصب الأمنية والعسكرية الحساسة، ولا سيما في مراكز إدارة الدولة ، ما أضعف مبدأ التكافؤ المؤسسي.
-الاقتصاد أداة للسيطرة والولاء وليس بناءً على الكفاءة أو العدالة
شكّل تأميم شركة نفط العراق عام ١٩٧٢ تحولًا كبيراً في السيطرة الوطنية على الموارد النفطية، وأسهم ارتفاع العائدات بعد عام ١٩٧٣ في تمويل توسع ملموس في التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية، وفي الوقت نفسه أتاح تمركز الإيرادات بيد السلطة توسيع الموارد المخصصة للمؤسسات الأمنية وشبكات الولاء السياسي.
وخلق النظام اقتصاداً قائماً على المحسوبية والفساد المنظم، ووزعت الثروة والامتيازات الاقتصادية (العقود، التراخيص، الوظائف) بناءً على الولاء للنظام، وليس بناءً على الكفاءة أو العدالة، وأصبح الفساد آلية من آليات الحكم؛ إذ يتم ربط المصالح الاقتصادية للنخب والطبقات الوسطى بالنظام، مما يجعلهم شركاء فيه ومستفيدين من استمراره.
شهد العراق تحولات زراعية وحضرية وهجرة من الريف إلى المدن لأسباب متداخلة، منها توسع فرص العمل والخدمات الحضرية وتغير أنماط الاستثمار والحروب اللاحقة، ولا تسمح الأدلة المتاحة هنا بإرجاع التغيرات الزراعية والهجرة إلى إهمال متعمد واحد أو إلى غاية أمنية وحيدة.
– الثقافة والإعلام والتعليم أدوات للهيمنة
سيطر النظام سيطرة كاملة على وسائل الإعلام: الصحف، والإذاعة، والتلفزيون، وأصبحت هذه الوسائل مجرد مكبرات صوت للنظام، تروج لأيديولوجيته، وتمجد قادته، وتشوه معارضيه، ومنعت أي صوت مستقل، وأصبحت الأخبار مجرد بيانات رسمية، والفن والثقافة مجرد أدوات للتعبئة الأيديولوجية.
تم توظيف الثقافة والفنون (الأدب، الشعر، المسرح، السينما، الفنون التشكيلية) لخدمة النظام، فكُتبت القصائد التي تمجد القادة، وألفت المسرحيات التي تروج للأيديولوجيا، وأنتجت الأفلام التي تخلق صورة بطولية للنظام، في المقابل تعرض المثقفون المستقلون للملاحقة والاعتقال، وهاجر كثير منهم خارج العراق.
تم تحويل النظام التعليمي إلى أداة للتلقين الأيديولوجي. أصبحت المناهج تحمل رسائل سياسية واضحة، وكرم الطلاب المتفوقون في مادة (الثقافة القومية) التي كانت تدرس قيم الحزب، وعيّن مدرسون على أساس ولائهم الحزبي، وأصبحت المدارس والجامعات أماكن للمراقبة والتجنيد الأمني.
وعمل النظام على إعادة كتابة التاريخ العراقي، وصوّر البعث على أنه الخلاص النهائي للعراق، والقادة على أنهم أبطال تاريخيون، وهمشت أدوار شخصيات وحركات تاريخية مهمة، وأبرزت أخرى تخدم الرواية الرسمية، وأصبح التاريخ ليس علماً لفهم الماضي، بل أداة لتسويغ الحاضر وشرعنة النظام.
– المجتمع العراقي والدولة الشمولية وغياب الهوية الوطنية الجامعة
لقد خلقت هذه السياسات مجتمعاً ممزقاً ومخيفاً؛ مجتمعاً فقد الثقة في الدولة التي تحولت إلى جهاز قمع، وفقد الثقة في القانون الذي تحول إلى أداة قهر، وفقد الثقة حتى في جاره وقريبه الذي قد يكون مخبراً، وأصبحت الحياة الخاصة مساحة للخوف والترقب، وأصبح التعبير عن الرأي مخاطرة قد تدفع الثمن غالياً.
وأسهمت سياسات التمييز والرقابة وتوزيع المنافع على أساس الولاء في إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة وفي زيادة أهمية بعض شبكات القرابة والانتماءات المحلية.
ودفعت هذه الظروف آلاف العراقيين إلى الهجرة، سواء داخل العراق (من الريف إلى المدينة، أو من المناطق المضطربة إلى المناطق الأكثر هدوءاً نسبياً)، أو خارج العراق إلى الدول المجاورة وإلى أوروبا وأمريكا. وشكلت هذه الهجرة نزيفاً للكفاءات والعقول؛ إذ هاجر كثير من المثقفين والأكاديميين والأطباء والمهندسين، خوفاً من الملاحقة أو بحثاً عن حرية غير موجودة في وطنهم.
ونشأت أجيال عراقية في سياق امتزج فيه الخوف من المراقبة بحوافز الصعود المهني والانتماء الحزبي وشبكات المقاومة اليومية؛ لذلك لا يمكن وصف جيل بأكمله بوصفه قاعدة اجتماعية للنظام أو اختزال سلوك أفراده في نمط واحد.
بين عامي ١٩٦٨ و١٩٧٩ ترسخت أسس هيمنة الحزب والأجهزة الأمنية، لكنها لم توقف بالكامل بناء المؤسسات والخدمات العامة، فقد تزامن التوسع الإداري والتنموي مع تقليص التعدد السياسي والاستقلال المؤسسي، وهي مفارقة أساسية لفهم التجربة.
استند استمرار النظام إلى تداخل أدوات الردع والمراقبة والمنافع الاقتصادية والدعاية وشبكات الولاء، وكانت فعالية هذه الأدوات متفاوتة بين المراحل والفئات، ولا تكفي القوة وحدها لتفسير عقود من السيطرة السياسية.
ولكن هذه الأسس نفسها كانت تحمل في داخلها بذور الانهيار؛ لأنها بنيت على القوة والقسوة وليس على القانون والعدل والمواطنة، وكانت دولة مبنية على الخوف، والخوف لا يبني ولاءً حقيقياً، وكانت دولة مبنية على التمييز، والتمييز يزرع بذور الكراهية، وكانت دولة مبنية على الفساد، والفساد يدمر مؤسسات الدولة من الداخل.
وأسهمت الحرب مع إيران، ثم غزو الكويت والعقوبات الدولية المتمثلة بالحصار الاقتصادي وأزمات التسعينيات، في إنهاك بنى الدولة والمجتمع التي تشكلت منذ ١٩٦٨، وقد ترك تداخل سياسات النظام مع ظروف الحرب والعقوبات آثارًا بعيدة المدى على الثقة العامة والاقتصاد والهويات السياسية حتى ما بعد ٢٠٠٣.
المصادر
-إريك دافيس، مذكرات دولة: السياسة والتاريخ والهوية الجماعية في العراق الحديث، ترجمة حاتم عبد الهادي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
-صموئيل هيلفونت، الإكراه في الدين: صدام حسين والإسلام وجذور التمردات في العراق، ترجمة نور محمد الحبشي، مراجعة نهار محمد نوري، بغداد: دار ومكتبة عدنان، ٢٠٢٢.
-ليزا بلايدز، جمهورية القمع: العراق في عهد صدام حسين، ترجمة الهادر المعموري، درابين الكتب، ٢٠٢٤.
-يوسف ساسون، بعث صدام: رؤية من داخل نظام استبدادي، ترجمة رفعت السيد علي، بيروت: منشورات الجمل، ط١.