د. محمد جبار الكريزي
تكشف التحقيقات القضائية التي يجريها مجلس القضاء الأعلى العراقي مع العناصر المتهمة بالانتماء إلى كيان داعش الإرهابي، المنقولة من سجون شمال شرق سوريا إلى العراق، عن مسارات متعددة لظاهرة التطرف العابر للحدود، وأدوار الأفراد الأجانب الذين انخرطوا في البنية التنظيمية والإدارية للتنظيم الإرهابي.
وفي هذا السياق، أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي استلام (5704) متهمين بالانتماء إلى كيان داعش الإرهابي، إذ باشرت محكمة تحقيق الكرخ الأولى إجراءات التحقيق معهم في شباط 2026م، وشملت الدفعة الأولى (1387) متهماً، وفي 1 أيلول 2026م، أعلن المجلس استكمال استجواب جميع المتهمين المنتمين إلى (67) جنسية، بينهم (3497) سورياً و(474) عراقياً و(1733) من جنسيات أخرى، مع اتخاذ إجراءات الإفراج عن بعض المحتجزين لعدم كفاية الأدلة، ومن بينهم (457) سوريا، وفي 27 أيلول 2026م، أعلن المجلس الانتقال إلى مرحلة المحاكمة وإحالة القضايا إلى المحاكم المختصة، استناداً إلى الأدلة المتحصلة بحق كل متهم، مع استمرار التنسيق القضائي الدولي بشأن المتهمين الأجانب.
وتبرز ضمن هذه التحقيقات قضية الطبيب الأسترالي طارق بدوي كملة (Tareq Badawi Kamleh)، المعروف بالاسم الحركي (أبو يوسف الأسترالي)، الذي انتقل من ممارسة مهنة الطب في أستراليا إلى العمل ضمن المؤسسات الصحية التابعة لكيان داعش الإرهابي في سوريا، لتشكل قضيته نموذجاً على استقطاب الكفاءات المهنية الأجنبية وتوظيفها في دعم البنية التنظيمية للتنظيم، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات قانونية وأمنية عابرة للحدود.
تفاصيل التحقيقات القضائية
بحسب ما نشرته صحيفة (القضاء) الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى العراقي، في تقريرها المعنون:(من عيادة في أستراليا إلى صفوف داعش..رحلة طبيب من النور إلى الظلام)، بتاريخ 30 حزيران 2026م، كشفت التحقيقات القضائية التي تشرف عليها محكمة تحقيق الكرخ الأولى أن المتهم طارق بدوي كملة، المعروف باسم (أبو يوسف الأسترالي)، غادر أستراليا متوجهاً إلى سوريا بعد تأثره بالأيديولوجية المتطرفة والدعاية التي نشرها كيان داعش الإرهابي، مروراً بعدة دول، حتى وصوله إلى المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة التنظيم الإرهابي.

الصورة: هيأة الإذاعة الأسترالية، في 25 نيسان 2015م.
وتشير إفاداته خلال التحقيق إلى أنه لم يشارك، بحسب أقواله، بصورة مباشرة في العمليات القتالية، وإنما عمل ضمن ما كان يُعرف بـ(إدارة الصحة)، في كيان داعش الإرهابي، مستفيداً من مؤهلاته الطبية وخبرته في مجال الرعاية الصحية، غير أن التحقيق لا يقتصر على توصيف طبيعة عمله، بل يتجه إلى تدقيق مجمل أنشطته ومدى ارتباطها بالبنية التنظيمية لكيان داعش الإرهابي وتحديد المسؤولية القانونية المترتبة عليها.
وكشفت الأدلة الرقمية والتحليلات الفنية التي أجراها المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي عن العمل في عدد من المنشآت الطبية التي كانت تديرها الجماعات الإرهابية، وتقديم الإسعافات والعلاج لبقايا عناصر داعش الإرهابي المصابين خلال العمليات الإرهابية والمعارك ضد القوات الأمنية، فضلاً عن التنقل بين مناطق خاضعة لسيطرة التنظيم خلال سنوات الصراع.
وتشير التحقيقات إلى أن النشاط المنسوب إليه لم يقتصر على الجانب الطبي؛ إذ ارتبط أيضاً بالخطاب الدعائي للتنظيم والدعوة إلى أفكاره، بما في ذلك رسائل تحث على عدم حصر النشاط الإرهابي بمناطق النزاع، وهو ما يظهر طبيعة الأيديولوجية العابرة للحدود التي سعى داعش إلى نشرها خلال تلك المرحلة.
ومع انهيار السيطرة الميدانية للتنظيم وخسارته المتتالية للأراضي، استمر التحرك مع عناصره وصولاً إلى المراحل الأخيرة من وجود كيان داعش الإرهابي في الباغوز السورية، قبل وقوعه في قبضة السلطات.
وأكد القاضي علي حسين جفات، رئيس المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، أن التحقيق مع المتهم المعروف باسم (أبو يوسف الأسترالي) ما زال جارياً، وأن إجراءات تدقيق الأدلة وتحليلها تتم وفق المعايير القانونية الوطنية والدولية، وتأتي هذه الإجراءات ضمن الجهود القضائية الخاصة بالعناصر المتهمة بالانتماء إلى عصابات داعش الإرهابية التي استقبلها العراق مؤخراً من سوريا، لاستكمال التحقيق وجمع الأدلة وتحديد المسؤولية القانونية لكل متهم وفقاً لأحكام القانون.
من أستراليا إلى الرقة
طارق بدوي كملة طبيب أسترالي من مواليد بيرث عام 1985، درس الطب في جامعة أديلايد وعمل في مجال طب الأطفال في عدد من المستشفيات الأسترالية، وفي عام 2015 غادر أستراليا متوجهاً إلى سوريا، قبل أن يظهر لاحقاً في مادة دعائية لتنظيم داعش من مدينة الرقة مستخدماً اسم (أبو يوسف الأسترالي)، وداعياً الكوادر الطبية المسلمة إلى الالتحاق بالخدمات الصحية التابعة للتنظيم. وأصدرت السلطات الأسترالية بحقه مذكرة توقيف على خلفية اتهامات مرتبطة بالإرهاب.

الصورة: صحيفة الغارديان البريطانية، في 27 نيسان 2015م.
مذكرة الاعتقال الأسترالية:
أصدرت محكمة الصلح في أديلايد الأسترالية، في حزيران 2015م، مذكرة اعتقال بحق الطبيب طارق بدوي كملة، المعروف باسم (أبو يوسف الأسترالي)، بعد ظهوره في مادة دعائية لتنظيم داعش الإرهابي في سوريا، وكان كملة قد عمل في عدد من المستشفيات الأسترالية في جنوب أستراليا وكوينزلاند والإقليم الشمالي، قبل التحاقه بالتنظيم، ووجهت إليه السلطات الأسترالية اتهامات بالانتماء إلى منظمة إرهابية والتجنيد لصالحها ودخول منطقة محظورة قانونياً، استناداً إلى أنشطة منسوبة إليه في مدينة الرقة السورية خلال نيسان 2015م، فيما أعلنت الشرطة أن مذكرة الاعتقال تتيح توقيفه فور عودته إلى أستراليا، بالتزامن مع اتخاذ المجلس الطبي الأسترالي إجراءات تنظيمية بشأن تسجيله المهني.
التحليل والخاتمة:
تكشف هذه القضية جانباً مهماً من ظاهرة التطرف العابر للحدود؛ فالتنظيمات الإرهابية لم تعتمد على المقاتلين وحدهم، وإنما سعت إلى استقطاب أصحاب التخصصات المهنية والعلمية من دول مختلفة لتوظيف خبراتهم في بناء مؤسساتها وإدامة قدرتها التنظيمية، فالطبيب والمهندس والإعلامي والتقني يمكن أن يتحول، عند الانخراط في البنية التنظيمية لجماعة إرهابية، إلى عنصر يسهم بتخصصه في استمرار تلك البنية، حتى وإن لم يحمل السلاح بصورة مباشرة، ومن هنا تكتسب قضية (أبو يوسف الأسترالي) أهميتها؛ لأنها تقدم نموذجاً لمسار يبدأ من بيئة مهنية وأكاديمية في أستراليا، ويمر عبر الدعاية والتجنيد العابر للحدود، وينتهي داخل مؤسسات كيان إرهابي في سوريا، ثم ينتقل بعد انهيار ذلك الكيان إلى مرحلة التحقيق القضائي وتحديد المسؤولية الفردية.
إن هذا المسار يؤكد أن مواجهة التطرف العابر للحدود لا تنتهي بانهيار التنظيم عسكرياً، وإنما تمتد إلى توثيق أدوار أفراده، وتحليل الأدلة الرقمية، وتعقب مسارات التجنيد والانتقال، والتمييز بين طبيعة الأدوار التي اضطلع بها كل شخص، وصولاً إلى تحديد المسؤولية القانونية استناداً إلى الأدلة وأحكام القانون.
وهنا تبرز أهمية التحقيقات التي يجريها مجلس القضاء الأعلى العراقي؛ فهي لا تتعامل مع إرث داعش بوصفه ملفاً أمنياً منتهياً، بل باعتباره ملفاً قضائياً وتوثيقياً معقداً وعابراً للحدود، يتطلب جمع الأدلة وربطها وتدقيقها، بما يحفظ حقوق الضحايا ويحدد المسؤولية الفردية لكل متهم بعيداً عن التعميم.
المصادر:
-
مجلس القضاء الأعلى العراقي، المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، التحقيقات القضائية المتعلقة بالمتهم طارق بدوي كملة (أبو يوسف الأسترالي)، محكمة التحقيق الأولى في الكرخ، 2026م، المنشور في جريدة القضاء.
-
The Guardian. (2015, April 26). Australian doctor appears in Isis video urging others to join him in Syria.
-
The Guardian. (2015, April 27). Police search home after Perth doctor Tareq Kamleh appears in Isis video.
-
ABC News. (2015, April 25). Islamic State: Australian-trained doctor Tareq Kamleh appears in IS propaganda video urging jihad in Syria.
-
ABC News. (2015, June 18). Arrest warrant issued for Australian doctor Tareq Kamleh for alleged terrorist role with Islamic State in Syria.
-
The Guardian. (2015, June 18). Arrest warrant issued for South Australian Isis doctor Tareq Kamleh.
-
ABC News. (2015, June 25). ‘Religious’ attitude led Australian doctor Tareq Kamleh to join Islamic State, court papers reveal.
-
ABC News. (2026, July 29). Australian ‘Doctor Jihad’ claims he never joined ISIS in resurfaced interview from prison.