د. أسماء خير الله كريم
مقدمة:
تُمثّل قضية نساء الإرهابي أبي بكر البغدادي ومن بينهم أسماء فوزي محمد الكبيسي المعروفة بـ(أمّ حذيفة)، الزوجة الأولى للإرهابي أبي بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الإرهابي، واحدةً من القضايا المهمَّة في تتبّع الجريمة العائليّة المحيطة بقيادة التنظيم الإرهابي، ولاسيَّما أنَّ مسار القضية جمع بين التحقيقات القضائيّة العراقيّة، والشهادات الإيزيديّة، وصولاً إلى صدور حكم قضائي بحقها في العراق.
أثارت هذه القضية موضوعًا بالغ الأهمية، وهو هل كانت المرأة داخل الأسرة الإرهابية مجرّد متلقّية للأوامر، أم كان لها مهام مستقلّة؟ وهل تستحق الإدانة؟، وهل تُعَدّ المرأة مشاركةً أم ضحيّةً فحسب؟
فالمهام كانت متدرّجة ومتداخلة؛ إذ قد تكون المرأة زوجةً وأُمّاً، وفي الوقت نفسه داعمةً للتنظيم أو مُجنّدة أو شرطية دينية، وفي حالات أخرى قد تكون ضحيّة إكراه أو استغلال.
الصورة: مجلس القضاء الأعلى العراقي- المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، 2025م.
أسماء محمد الكبيسي الزوجة الأولى لأبي بكر البغدادي (48 عامًا)، عاشت مع البغدادي في ريف إدلب في سوريا عام 2012م، ثمّ في مدينة الرقّة السورية سنة 2014م، وكانت تُقيم في تركيا بهويّةٍ مزوّرةٍ واسمٍ مستعار، في عام 2019م أعلنت تركيا توقيف الكبيسي في محافظة هاتاي على الحدود مع سوريا مع عشرة أشخاص آخرين، من بينهم ابنتها ليلى، وفي شباط 2024م، أُعلن عن مباشرة القضاء العراقي استجوابَ أفرادٍ من عائلة البغدادي بعد استعادتهم من الخارج بتهمة العمل مع كيان داعش الإرهابي.
التحقيق مع زوجة البغدادي أسماء محمد الكبيسي:
اكتسبت التحقيقات أهمية تتجاوز معرفة تفاصيل الحياة الخاصة لزعيم التنظيم الإرهابي؛ إذ انصبَّ الاهتمام القضائي على تحديد طبيعة مَهام أفراد أسرته، ومدى ارتباطهم بأنشطة كيان داعش الإرهابي، والجرائم التي ارتكبها، ولاسيَّما ملفّ النساء والفتيات الإيزيديات اللواتي اختطفهن التنظيم الإرهابي عقب اجتياحه قضاء سنجار ومناطق أخرى من محافظة نينوى عام 2014م.
المقابلات المتلفزة لأسماء الكبيسي وابنتها:
في الوقت الذي كانت فيه القضية تسير ضمن مسارها القضائي، ظهرت أسماء الكبيسي في سلسلة مقابلات حصرية بثتها قناتا (العربية) و(الحدث) في شباط 2024م، من داخل العراق، قدَّمت فيها روايتها عن سنوات حياتها مع البغدادي، وتحولاته الفكرية والتنظيمية، وحياته العائلية، وعلاقاته بزوجاته، والنساء الإيزيديات اللواتي وقعن في قبضة التنظيم الإرهابي؛ إذ أقرّت أسماء في المقابلة بوجود نساء إيزيديات في منزل البغدادي، وتجاوز عددهن عشر نساء، لكنّها حاولت في الوقت نفسه إبعاد نفسها عن الانتهاكات التي تعرضن لها، مؤكّدة أنها كانت تعاملهن بصورة جيدة، وكان ذلك من أوضح مواضع التعارض بين روايتها الإعلامية، والشهادات المضادة، وما انتهى إليه القضاء العراقي.
وقد صوَّرت ابنة الإرهابي أبي بكر البغدادي (أميمة) الكيفيّة التي يتعامل بها الإرهابيون مع أبنائهم؛ إذ حُرمت من مشاهدة أبسط الأمور الترفيهية على شاشة التلفاز، وزُوِّجت -وهي في الثانية عشرة من عمرها- من دون علم والدتها، من مرافقٍ أمنيٍّ لأبيها.
تكشف حالة ابنة الإرهابي أبو بكر البغدادي عن نمط من التنشئة يقوم على الحرمان والتحكم وفرض القرارات المصيرية على الأطفال، بما يُظهرُ طبيعة البيئة المغلقة التي قد تنشأ داخلها أسر أفراد التنظيمات الإرهابية؛ فالحرمان من مشاهدة أبسط البرامج الترفيهية لا يُمثّل مجرّد منع لوسيلة ترفيه، وإنما يمكن قراءته بوصفه جزءاً من منظومة أوسع من الرقابة الصارمة على سلوك الطفل واحتياجاته النفسية والاجتماعية، وتقليص مساحة الاختيار والتعبير لديه.
وتتّضح أهميَّة هذه الحالة كذلك في التمييز بين الطفل بوصفه ضحيةً للبيئة المتطرفة، والمسؤولية الجنائية للبالغين الذين صنعوا هذه البيئة؛ فوجود الطفل داخل أسرة مرتبطة بتنظيم إرهابي لا يعني بالضرورة أنّه يحمل أفكار التنظيم أو يتبنى ممارساته، بل قد يكون هو نفسه من الفئات المتضررة من التطرف؛ لذا فإنَّ التعامل مع أبناء أفراد التنظيمات الإرهابية ينبغي ألا يقتصر على الجانب الأمني، وإنّما يتطلّب مقاربة تجمع بين الحماية النفسية والاجتماعية، والتعليم، وإعادة التأهيل، وإعادة الإدماج.
وتبيّن هذه الحالة أنَّ آثار التطرف في المجتمع لا تقتصر على العمليات الإرهابية، بل تمتدّ إلى بنية الأسرة وأساليب التنشئة والعلاقات بين أفرادها، بما يترك آثارًا طويلة المدى على الأطفال، وقد يجعلهم أكثر حاجة إلى برامج متخصّصة لاستعادة الإحساس بالأمان والاختيار والاستقلالية، وهذا ما نحن بأمسّ الحاجة إليه الآن في عمليات إعادة إدماج العائدين من سوريا ومخيمات الهول.
مقابلة مع سيبان إسماعيل خليل:
ناجية إيزيدية تزوجت من الإرهابي أبي محمد العدناني، بعد وفاته انتقلت إلى بيت الإرهابي أبي بكر البغدادي، تروي في مقابلة مع (قناة العربية)، رواية مناقضة لما ذكرته أسماء؛ إذ اتهمت أسماءَ بإساءة معاملتها، وبالمشاركة في استغلال النساء الإيزيديات المحتجزات، فضلًا عن كونها المسؤولة عن السبايا في بيت أبي بكر البغدادي.
الصورة: قناة العربية، 2024م.
في المقابلة كشفت سابين كيف أنها دخلت مع العدناني إلى كتيبة الخنساء، وكتيبة نسيبة، وشاهدت القيادات النسوية العربية والأجنبية فيها، مما يعزز فكرة مهام النساء في التنظيم وتنوعها؛ إذ تعدَّدت مهام النساء في التنظيم وتنوَّعت؛ فشملت مهمَّة الزوجة، وغرس القيم المتطرّفة، والاستقطاب والتجنيد، والعمل في الشرطة المجتمعية المتمثلة في كتيبتي الخنساء ونسيبة، فضلًا عن المراقبة والخدمة المنزلية.
شهادات السبايا من الفتيات الإيزيديات لدى داعش:
وقد أقام إيزيديون دعوى قضائية ضد زوجة البغدادي، متهمينها بالمشاركة في اختطاف فتيات إيزيديات واستعبادهن، واستند هذا الاتهام -بشهادات عدد من الفتيات- إلى أنَّ زوجة البغدادي كانت تتولى شؤون السبايا في منزل أبي بكر البغدادي؛ إذ كانت تختار بعضهن لخدمتها وأخريات لخدمة زوجها، وتفيد هذه الشهادات بأنَّها لم تكن تعترض على استعباد النساء، بل شاركت فيه، وقد احتجزت نساءً إيزيديات في منزلها.
الحكم القضائي:
اتخذ المسار القضائي اتجاهاً أكثر حسماً، ففي 10 تموز 2024م أعلن مجلس القضاء الأعلى العراقي أنَّ محكمة جنايات الكرخ أصدرت حكماً بالإعدام بحق زوجة أبي بكر البغدادي، بعد إدانتها بجريمة العمل مع عصابات داعش الإرهابية، واحتجاز النساء الإيزيديات في منزلها، وذكر المجلس أنَّ عناصر التنظيم الإرهابي قد اختطفوا النساء الإيزيديات من قضاء سنجار غربي محافظة نينوى.
ووفق النص المنشور للحكم، صدر القرار استناداً إلى المواد 1/3 و1/4 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005م، واستدلالاً بأحكام المادة 7 أولاً من قانون الناجيات الإيزيديات رقم 8 لسنة 2021م، وبذلك انتقلت قضية أسماء الكبيسي من نطاق كونها زوجة لزعيم تنظيم داعش الإرهابي، ومصدراً للمعلومات حول حياته الداخلية، إلى قضية مسؤولية جنائية مستقلة عما ارتكبه زوجها.
وتكتسب القضية أهميَّتها البحثية من وجود ثلاثة مستويات متداخلة من المعلومات:
-
المستوى الأوَّل: رواية أسماء نفسها خلال المقابلات الإعلامية.
-
المستوى الثاني: شهادات الناجيات اللواتي تحدثن عن وجودهن داخل البيئة المحيطة بالبغدادي.
-
المستوى الثالث: التحقيق القضائي وما انتهت إليه محكمة جنايات الكرخ من حكم.
وتكشف هذه الحالة أنَّ دراسة النساء المرتبطات بقيادات التنظيمات الإرهابية لا ينبغي أن تقوم على رابطة الزواج أو القرابة وحدها؛ فالزواج من إرهابي لا يُعدّ بذاته دليلًا على المسؤولية الجنائية، وإنَّما تُحدَّد هذه المسؤولية في ضوء الأفعال المنسوبة إلى الشخص وما يثبت منها بالأدلة أمام القضاء، أمَّا أسماء الكبيسي، فقد أدانها القضاء العراقي عن أفعال نُسبت إليها شخصيّاً، من بينها العمل مع التنظيم الإرهابي واحتجاز نساء إيزيديات في منزلها.
ومن هنا تمثل قضية أسماء فوزي محمد الكبيسي (أم حُذيفة) أنموذجاً مهمّاً لدراسة موقع الأسرة داخل البنية الاجتماعية لكيان داعش الإرهابي، وحدود الانتقال من القرابة العائلية إلى المشاركة والمسؤولية الفردية؛ فهي قضيةٌ بدأت باستعادةٍ أحد أفراد الدائرة الأسريّة للبغدادي والتحقيق معه، ومرّت بروايةٍ إعلاميّةٍ حاولت فيها المتهمة تفسير موقعها داخل تلك البيئة، ثم انتهت إلى حكمٍ قضائي عراقيٍّ بالإعدام بعد إدانتها.
المصادر:
-
مجلس القضاء الأعلى العراقي، بيان محكمة جنايات الكرخ بشأن الحكم الصادر بحق زوجة أبي بكر البغدادي، 10 تموز 2024م، كما نقلته المصادر الصحفية عن المركز الإعلامي للمجلس.
-
قناة العربية والحدث السعودية، سلسلة المقابلات الحصرية مع أسماء محمد الكبيسي، الزوجة الأولى لأبي بكر البغدادي، شباط 2024م.
-
قناة العربية والحدث السعودية، كاذبة.. زوجة البغدادي ترد في الجزء الثاني على الإيزيدية سيبان خليل، 23 شباط 2024م.
-
تقارير الحكم الصادر عن محكمة جنايات الكرخ، 10 تموز 2024م، والمتضمنة الأساس القانوني للحكم وفق قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 وقانون الناجيات الإيزيديات رقم 8 لسنة 2021م.

