أ.د. سلمان الجنابي
عاش الرياضيون العراقيون حقبة قاسية من الاضطهاد والتعذيب خلال مدة حكم البعث المجرم، ولم تقتصر الانتهاكات على العقوبات البدنية فحسب، بل وصلت في بعض الحالات إلى التصفية والإعدام لأسباب سياسية أو نتيجة لـ “مزاجية” السلطة، إذ خضعت الرياضة العراقية لسيطرة كاملة وقمع ممنهج وواجه العديد من الرياضيين والمسؤولين الرياضيين عقوبة الإعدام أو القتل تحت التعذيب لأسباب مختلفة، أبرزها تهمة الانتماء لأحزاب معارضة أو الاشتباه بصلتهم بمحاولات اغتيال أو معارضة للنظام.
وأحد لاعبي كرة القدم الذين طالتهم جرائم البعث هو اللاعب الدولي المرحوم (بشار رشيد أحمد طبانة)، وكان مفوض شرطة وأحد لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم. ولد في محافظة الديوانية في 1 كانون الثاني عام 1949، وكان يتيم الأب عندما انتقلت عائلته من الديوانية إلى بغداد، وسكنت في المنطقة الشعبية أبو سيفين ثم مدينة الثورة في قطاع (15)، ولعب ضمن فرق المدارس الابتدائية والمتوسطة قبل أن يراه المرحوم غازي عباس (أبو طويرة)، مدرب فريق العاصفة الشعبي، ليضمه إلى صفوف الفريق إلى جانب اللاعبين ستار خلف ومنعم جابر وآخرين.

تحقق حلمه ولعب لمنتخب العراق المدرسي في بطولة الدورة العربية المدرسية التي أقيمت في دمشق عام 1966 وكان معه في الفريق مجبل فرطوس وعبد القادر زينل وأنور جسام وسمير ناشئ وفيصل صالح وغانم عبد الحميد وفخري ناجي (أبو الليل) بإشراف المدرب محمد حسون.
لعب بشار للمنتخب العسكري في بطولات عدة، وأسهم في إحراز منتخب العراق العسكري كأس بطولة العالم العسكرية الخامسة والعشرين التي أقيمت في بغداد عام 1972. وفي المباراة الختامية يوم 20 حزيران 1972 فاز العراق على منتخب ساحل العاج بنتيجة 3-صفر.
كان هداف المنتخب في بطولة العالم العسكرية السادسة والعشرين التي جرت في الكونغو عام 1973 التي أحرز العراق فيها لقب الوصيف خلف المنتخب الإيطالي، بعد أن سجل ثلاثة أهداف، أولها هدف في مرمى الكويت وهدف في مرمى ساحل العاج وهدف في مرمى الكونغو.

كان ضمن المنتخب العسكري الذي لعب في تصفيات بطولة العالم العسكرية التي جرت في الكويت عام 1975 التي أخفق فيها العراق في التأهل للأدوار النهائية.
كان هداف البطولة الرباعية للفرق العسكرية التي جرت في بغداد من 14-21 تموز 1973 بعد أن سجل للمنتخب العسكري العراقي أربعة أهداف أولها في مرمى سيسكا اوديس

ا السوفييتي وانتهت عراقية 3-1، وثلاثة أهداف في مرمى نادي شليفن البلغاري وفاز العراق 5-2
كان ضمن وفد المنتخب العسكري العراقي الذي لعب مباراتين وديتين في الاتحاد السوفييتي في أيلول 1973، انضم بشار في عام 1966 إلى فريق السكك الحديد ومثله في الدوري الممتاز لموسم 1966-1967 وكان معه في الفريق ستار خلف وجلال عبد الرحمن ومؤيد محمد صالح ومحمد علوان وحازم محمد علي وطرزان، ومثل الفريق في الموسم 1967-1968 وضم الفريق وقتها نخبة من اللاعبين المتميزين أمثال علي كاظم وأنور جسام ورسن بنيان وجبار خزعل ومقداد جرجيس وعادل حمادي.
في الموسم 1968-1969 انتقل لفريق القوة السيارة الذي كان يلعب في الدوري الممتاز مع اللاعبين عبد الصمد أسد وشامل طبره ومحمد علي قنبر وحسين فاضل وستار جواد وفانوس الأسدي وعادل إبراهيم وغيرهم، وبقي في صفوف الفريق حتى نهاية موسم 1970-1971، حيث ضم الفريق لاعبين آخرين منهم زهراوي جابر ورياض شاكر وفخري ناجي ومحمد طبره ومحمد مطر ومحمود أسد.
في موسم 1971-1972 ارتدى بشار رشيد القميص البنفسجي مدافعاً عن ألوان فريق آليات الشرطة الذي كان يضم خيرة نجوم الكرة العراقية أمثال ستار خلف وعبد كاظم ودوكلص عزيز ورياض نوري ومظفر نوري وصباح حاتم وشاكر إسماعيل ومنعم حسين وطارق عزيز ولطيف شندل ومجيد علي.

في 15 أيلول 1975 اعتقلت أجهزة الأمن بشار رشيد في سياق مباراة الشرطة مع الجامعة؛ وتختلف الروايات فيما إذا كان قد اقتيد من غرفة تبديل الملابس قبيل المباراة أم بعد انتهائها. وتذكر مصادر تذكارية أنه تعرض، مع رفاق قضيته، لضغوط نفسية وأذى جسدي، وأن الأجهزة الأمنية ساومته على العودة إلى صفوف المنتخب الوطني مقابل الإدلاء باعترافات تتعلق بصلاته السياسية ورفاقه، لكنه رفض ذلك.
صدر بحق بشار رشيد حكم بالإعدام من محكمة الثورة في 27 كانون الأول 1976 بحسب سجل توثيقي منشور، ونُفذ الحكم في أيار 1978. وتختلف المصادر في اليوم المحدد: فكتاب «شهداء الحزب.. شهداء الوطن» يذكر 17 أيار 1978، بينما تذكر مصادر صحفية لاحقة 18 أيار 1978. وترتبط قضيته، في هذه المصادر، باتهامات بالنشاط أو الصلات السياسية المعارضة.
ولا تسند المصادر الموثوقة العبارة المتداولة بأنه أُعدم ضمن مجموعة من 21 رياضياً». فقد وثقت منظمة العفو الدولية أن 21 عراقياً أُعدموا في أيار 1978 بتهمة النشاط السياسي داخل القوات المسلحة، ثم أوضحت في تقريرها لعام 1979 أن مصادر غير رسمية أفادت بأن بعضهم لم يكونوا عسكريين، وأن العدد الإجمالي للمعدومين في تلك الموجة ربما بلغ 38 شخصاً. ويُدرج كتاب (شهداء الحزب.. شهداء الوطن) بشار رشيد ضمن كوكبة شهداء أيار 1978.
وتنقل روايات تذكارية نُشرت بعد سنوات عن والدة بشار أنها ذهبت إلى السجن لاستلام جثمانه، وأن أحد الحراس أخبرها بأن ابنها واجه لحظة الإعدام بثبات ورفض أن تُعصب عيناه. أما الحوار المطول المتداول بين الأم والضابط والحارس، فيرد بصيغ متفاوتة ولا يتوافر، في المصادر المنشورة التي أمكن الوصول إليها، محضر رسمي يثبت ألفاظه حرفياً. وترد في بعض الروايات صيغة سؤال الأم للحارس عن كيفية معرفته بما جرى في ساحة الإعدام، وهي جزء من شهادة شفوية/تذكارية متداولة وليست نصاً مستخرجاً من سجل رسمي منشور.

وتتكرر في أكثر من رواية منشورة صيغة قريبة من قوله لحظة الإعدام: لا تشدوا عيني، أريد أن أرى وجه قاتلي، وتضيف بعض الروايات عبارات أخرى عن قامته وموقفه وتاريخه، وبسبب اختلاف الألفاظ بين المصادر، تُعامل هذه الكلمات بوصفها رواية شفوية متداولة لا نصاً حرفياً مثبتاً بمحضر رسمي.
لقد مثل إعدام الشهيد بشار رشيد واحدة من أعظم دلائل القسوة والظلم الذي عانى منه شعبنا العراقي، ومثل استشهاده علامة أخرى على ما اقترفته يد البعث من جرائم لا تنسى بحق الشعب العراقي الذي لا يزال يئن من جرائمها التي لا تنتهي.
إن الأمم التي لا تحفظ ذاكرتها، ولا تكشف حقيقة مآسيها، تظل أسيرة الماضي، فيما تبقى العدالة هي الطريق الوحيد لإغلاق الجراح، لا بإخفائها، بل بكشف الحقيقة كاملة فالشهداء أمانة في أعناقنا وذكراهم عهد لا ينسى وتضحياتهم دين لا يسقط بالتقادم.
المصادر:
-
د. منذر العذاري، الشهيد بشار رشيد.. أول لاعب اقتيد من الملعب إلى معتقلات الأمن العامة، جريدة المدى، 4 أيار 2010.