الجريمة الموثَّقة.. مأساة الإيزيديات في وثائق كيان داعش الإرهابي

د.محمد جبار الكريزي

وقع سبي الإيزيديات العراقيات بتاريخ يوم الأحد 3 آب 2014م، وذلك عندما اجتاح كيان داعش الإرهابي قضاء سنجار والمناطق المحيطة به في محافظة نينوى بشمال العراق، إذ تعرضت النساء والفتيات للاختطاف والاستعباد والعنف والتهجير، ولم تبقَ هذه الجرائم في نطاق الروايات والشهادات فحسب، بل وثقتها وثائق كيان داعش الإرهابي نفسه، والوثائق الرسمية العراقية، والدراسات والبحوث، والتقارير الأممية والحقوقية، وشهادات الناجيات، لتشكل مجتمعةً سجلاً توثيقياً يكشف حجم المأساة، ويحفظ ذاكرة الألم في العراق.

وفقاً لما ورد في التقرير الوطني الطوعي للعراق 2025م: الاستثمار المسؤول…إعمار وعدالة، الصادر عن وزارة التخطيط العراقية، ما نصه: (تابعت الحكومة العراقية ملف الجرائم التي ارتكبتها التنظيمات الإرهابية، ولا سيما بحق المكون الإيزيدي الذي تعرض لجرائم جسيمة؛ إذ تشير البيانات المتوفرة لدى إقليم كردستان إلى أن عدد المختطفين الإيزيديين بلغ (6,417) مواطناً، غالبيتهم من النساء والأطفال، فيما بلغ عدد الذين تم إنقاذهم (3,576) مواطناً، بواقع (1,208) نساء، و(339) رجلاً، و(1,070) فتاة، و(959) ولداً، في حين لا يزال (2,693) مواطناً في عداد المفقودين).

وتكتسب هذه البيانات الصادرة عن تقرير جهة حكومية عراقية بالأرقام أهمية في توثيق مأساة اختطاف النساء والفتيات الإيزيديات، وتوفر أساساً إحصائياً يمكن مقارنته بالشهادات والتقارير الأممية والدراسات المتعلقة بجرائم داعش الإرهابي بحق الإيزيديين.

  

مأسسة استعباد الإيزيديات في وثائق كيان داعش الإرهابي

  1. حجة الملكية، الصادرة عن المحكمة الإسلامية في ولاية الجزيرة، بتاريخ 18 آب 2016؛ وتمثل توثيق ما سمّاه كيان داعش الإرهابي (الملكية)، تكشف الوثيقة عن محاولة كيان داعش الإرهابي إضفاء طابع إداري وقضائي على الاستعباد، من خلال إصدار وثيقة رسمية الشكل تتضمن بيانات طفلة في الرابعة من عمرها ووصفها وإثبات ما سماه التنظيم (ملكيتها) لأحد عناصره، وتبرز أهميتها في إظهار أن الاستعباد لم يكن مجرد ممارسة فردية، بل جرى توثيقه ضمن إجراءات مؤسسية للكيان الإرهابي.

Document: European Master’s Degree in Human Rights and Democratisation (E.MA). Annex IV: “ISIS Documents about the Slavery.” Global Campus of Human Rights, 2017, pp. 105.

  1. شهادة عتق رقبة صادرة عن المحكمة نفسها، بتاريخ 28 آب 2016م؛ وتمثل إنهاء حالة الاستعباد وفق المصطلحات المستخدمة في الوثيقة، وهي على الأرجح مرتبطة بحجة الملكية السابقة بسبب تطابق الاسم (ديلين)، والعمر (4 سنوات)، توضح الوثيقة وجود إجراءات رسمية داخل منظومة كيان داعش الإرهابي، لإنهاء حالة الاستعباد وفق مصطلحاته، إذ تسجل عتق طفلة تحمل الاسم والعمر نفسيهما الواردين في حجة الملكية، ويعزز ذلك احتمال ارتباط الوثيقتين بحالة واحدة.

Document: European Master’s Degree in Human Rights and Democratisation (E.MA). Annex IV: “ISIS Documents about the Slavery.” Global Campus of Human Rights, 2017, pp. 106.

 

  1. عقد النكاح، صادر عن المحكمة الشرعية في تلعفر، ويرجع إلى 2015م، بحسب الوثيقة، والمصدر الذي نشرها؛ ويتعلق بحالة أخرى لإيزيدية مستعبدة سابقاً، لذلك لا يصح اعتباره المرحلة الثالثة في قصة (ديلين)، تكشف الوثيقة عن تداخل الاستعباد مع منظومة الزواج التي أدارها كيان داعش الإرهابي قضائياً؛ إذ يشير المصدر الذي نشرها إلى أن تحرير امرأة إيزيدية مستعبدة سابقاً جُعل مهراً في العقد، وتبرز دلالتها في توثيق انتقال آثار الاستعباد إلى معاملات أخرى نظمها الجهاز القضائي للكيان الإرهابي، مع التأكيد أن هذه الوثيقة تتعلق بحالة مختلفة عن حالة الطفلة الواردة في الوثيقتين السابقتين.

Document: European Master’s Degree in Human Rights and Democratisation (E.MA). Annex IV: “ISIS Documents about the Slavery.” Global Campus of Human Rights, 2017, pp.107.

 

الخلاصة

تكشف المادة التوثيقية المتعلقة بالإيزيديات منذ اجتياح سنجار في 3 آب 2014م، أن جرائم كيان داعش الإرهابي لم تكن ممارسات فردية، بل ارتبطت بمنظومة فكرية وإدارية وقضائية نظمت الاختطاف والاستعباد والاتجار بالضحايا، وهو ما تؤكده وثائق الكيان الإرهابي، إلى جانب ما وثقته المؤسسات العراقية والدراسات والبحوث والتقارير الأممية والحقوقية وشهادات الناجيات والتغطية الإعلامية (2014–2026)، لتشكل مجتمعةً سجلاً يحفظ ذاكرة الألم في العراق ويدعم العدالة والمساءلة.

ويتمثل أثر المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف في جمع هذه الأدلة والوثائق وتحليلها وحفظها والتحقق من مصادرها، ولا سيما بعد انتهاء فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب داعش / تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (UNITAD)، وانتقال جانب من مواده إلى الجهات العراقية.

ونقترح بإنشاء منظومة وطنية موحدة لتوثيق وأرشفة جرائم كيان داعش الإرهابي بحق الإيزيديات، تربط الأدلة بالوثائق والشهادات والدراسات ضمن قاعدة بيانات مؤمّنة، مع حماية خصوصية الناجيات والشهود، بما يحفظ الذاكرة الوطنية العراقية، ويدعم البحث العلمي، والمساءلة القضائية.

الإيزيديون أمانة في أعناقنا

ونختتم هذه المقالة التوثيقية بالإشارة إلى رسالة صادرة عن الإمارة الإيزيدية للعائلة الملكية داود بن سليمان–المرجع الأعلى للأمة الإيزيدية، بتاريخ 16 كانون الأول 2020، والموجهة إلى سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني(حفظه الله)، التي استحضرت موقف المرجعية الدينية خلال اجتياح كيان داعش الارهابي، وأشارت بصورة خاصة إلى الفتوى التي عبّرت عنها الرسالة بعبارة (الإيزيديون أمانة في أعناقنا)، وتمثل هذه الرسالة، في سياق المقالة، وثيقةً ذات دلالة اجتماعية ووطنية تظهر تقدير جانب من المجتمع الإيزيدي للمواقف التي ساندته في واحدة من أشد مراحل تاريخه مأساوية.

ويمنح إدراج هذه الوثيقة في ختام المقالة بعداً يتجاوز توثيق الجريمة؛ إذ ينتقل بالسرد من وثائق الاضطهاد والاستعباد إلى وثائق التضامن والحماية والاعتراف بالمأساة، بما يؤكد أن حفظ ذاكرة الإيزيديات لا يقتصر على تسجيل ما تعرضن له من جرائم، وإنما يشمل أيضاً توثيق المواقف الوطنية والإنسانية، التي وقفت إلى جانبهن وحافظت على حضور قضيتهن في ذاكرة الألم العراقية.

الوثيقة: منشورة على الصفحة الرسمية لإعلام المرجع الأعلى للامة الايزيدية، 2020