أ.د. حسين الزيادي
تفاصيل ومضمون الوثيقة
الوثيقة المرفقة ربطاً ذات طابع أمني، مصنفة تحت درجة السرية، ومؤرخة في 23/ 6 / 1997، تحمل العدد 1/ 7/ 3361 صادرة من قيادة فرع محافظة واسط / الشؤون الداخلية وموجهة إلى (مسؤول تنظيمات ميسان وواسط)، وتبين الوثيقة أن شعبة صدام قامت بإلقاء القبض على جملة من الأشخاص الذين أرفقت أسماؤهم في قائمة مفردة وهؤلاء يرومون الذهاب سيرا على الأقدام إلى محافظة كربلاء وتم تسليمهم إلى دائرة الأمن في النعمانية وناحية الأحرار وتؤكد الوثيقة أنها ستعلمكم لاحقاً بنتائج التحقيق.
التحليل الدستوري والقانوني للوثيقة
إن عملية إلقاء القبض على الأشخاص الذين أرفقت أسماؤهم بقائمة مفردة يعد انتهاكاً لدستور العراق المؤقت 1970 الذي ينبغي أن يحدد ويوجه عمل السلطة، فقد نصت المادة (25) على حرية ممارسة الشعائر والمعتقدات، أما المادة (22) فقد نصت على أن كرامة الإنسان مصونة، وتحرم ممارسة أي نوع من أنواع التعذيب الجسدي أو النفسي ولا يجوز القبض على أحد أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه، إلا وفق أحكام القانون؛ إذ جرى الاعتقال خارج الأطر القانونية وبدون مذكرات قضائية، وبأوامر حزبية وأمنية (قيادات الشعب الحزبية أو دوائر الأمن).
التحليل القانوني بالاعتماد على مبادئ العهد الدولي ومواثيق حقوق الإنسان
من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تمثل الممارسات الواردة في هذه الوثيقة انتهاكا صارخا وجسيما لمنظومة الحقوق والحريات الأساسية للإنسان، ويمكن تفصيلها قانونياً على النحو الآتي:
-
الحق في الحرية والأمان الشخصي، إذ تنص المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن لكل فرد الحق في الحرية وفي الأمان الشخصي، ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفاً، وعملية إلقاء القبض والحجز بشكل جماعي على مجموعة من المواطنين لمجرد ممارسة شعائر دينية مرتبطة بمناسبة زيارة الأربعين تعد اعتقالاً تعسفياً لكونها لم تستند إلى معايير المحاكمة العادلة، أو جرائم معاقب عليها بنصوص قانونية موضوعية تتفق مع الشرعية الجنائية الدولية، بل استندت إلى قرارات أمنية وقمعية.
-
حرية الفكر والوجدان والدين وإقامة الشعائر: تؤكد المادة (18) من العهد الدولي أن لكل فرد حق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل ذلك حريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد وإقامة الشعائر والممارسة وتأسيساً على ما تقدم فإن تجريم ممارسة طقوس زيارة الأربعين واعتبارها تهمة تستوجب الاعتقال الأمني والتحقيق يُعد انتهاكاً صارخاً لحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية التي تكفلها المواثيق الدولية الأساسية، ويشكل تمييزاً واضطهاداً ممنهجاً ضد حرية الأديان.
-
حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية، إذ تنص المادة (7) من العهد الدولي على أنه لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة من الكرامة؛ لذا فإن إحالة المعتقلين إلى جهات أمنية ذات طابع قمعي (واحتجازهم في ظروف غامضة والتحقيق معهم)، يعرض هؤلاء لخطر التعذيب الممنهج وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه، وهو ما يخالف الحظر المطلق للتعذيب في القانون الدولي العرفي ومعاهدات حقوق الإنسان.
-
خرق مبدأ الشرعية الجنائية (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، إذ تنص المادة (15) من العهد الدولي على مبدأ عدم جواز إدانة أي شخص بسبب أفعال لم كانت تشكل جريمة وقت ارتكابها؛ لذا فإن إلقاء القبض على هؤلاء يظهر غياب تام لأي سند قانوني او دستوري أو تشريعي لعملية الاعتقال، ويؤكد استغلال السلطة الأمنية لقمع الحريات الشخصية والعامة خارج إطار القانون العادل.
وهناك وثيقة أخرى أرفقت ربطا تؤكد إلقاء القبض على الزوار، ويتضح من الكتاب الموجه من محافظة واسط / الشؤون الداخلية إلى الوكيل الأمني لمسؤول تنظيمات ميسان وواسط وجاء رداً على برقيتين الأولى تحمل الرقم 3760 في 14/5/ 1997 والثانية تحمل الرقم 4819 في 16/6/1997، وهذا التاريخ يصادف العاشر من صفر أي قبل عشرة أيام من الزيارة، الأمر الذي يؤكد أن هناك ترتباً من أعلى المستويات للقضاء على هذه الشعيرة فضلاً عن التهيؤ لها قبل ما يقارب (20) يوماً، ومحتوى الوثيقة يبين بأن عدد المقبوض عليهم من قبل الأجهزة الأمنية بمناسبة زيارة الأربعين (ممارسة بدعة المشي) بحسب تعبير الوثيقة، بلغ (58 ) شخصاً والوثيقة موقعة من قبل محافظ واسط بالتاريخ المذكور.
ومما يلفت الانتباه هو استخدام مصطلح (بدعة) لوصف شعيرة المشي إلى الإمام الحسين (عليه السلام)؛ إذ ورد النص صريحاً بالإشارة إلى ممارسة بدعة المشي، ويظهر هذا الأسلوب الرسمي والسياسي السائد في تلك الحقبة طابعاً عدائياً وتضييقاً ممنهجاً ضد الشعائر الدينية المرتبطة بطائفة معينة، بإضفاء وصف البدعة عليها وعدّ ممارستها عملاً مخالفاً يستوجب المتابعة الأمنية والاعتقال وإعداد قوائم بالأسماء لرفعها إلى الجهات المختصة.

