السيد أبو القاسم الخوئي.. سنوات التضييق والإقامة الجبرية (الجزء الأول)

أ.د. حسين الزيادي

تعد هذه السلسلة توثيقاً تاريخياً لحجم الانتهاكات التي استهدفت المرجعية الدينية في عهد نظام البعث خلال مرحلة تصدي السيد أبو القاسم الخوئي للمرجعية، وتكشف هذه المقالات طبيعة الممارسات الإجرامية التي اتخذت أشكالاً مختلفة من التضييق والقمع والتصفيات الجسدية والملاحقة، في محاولة استهدفت تحجيم دور المرجعية، ومواجهة ثقلها الروحي والوطني في تلك المرحلة العصيبة، إذ لم تتعرض المرجعية الدينية في امتداد تاريخها الطويل منذ تحولها من بغداد إلى النجف في العام 460هـ كالذي تعرض له السيد أبو القاسم الخوئي بدءاً من الاعتداء على منزل نجله الأكبر السيد جمال الدين، واعتقال مجموعة كبيرة من تلامذته ومعاونيه، وإعدام كثير منهم، وحرق سيارته وهو فيها، واعتقاله من قبل أزلام النظام، واغتيال أصهاره: الشهيد آية الله السيد نصر الله المستنبط، والشهيد السيد محمود الميلاني، وأولاده: الشهيد السيد إبراهيم (الانتفاضة الشعبانية ضمن المقابر الجماعية) والشهيد السيد محمد تقي الذي تعرض لحادث سير مدبر عام 1994م يعتقد أنه من تدبير نظام البعث، وتأسيساً على ما تقدم، يمكن استخلاص أبرز الملامح التي امتازت بها مرجعية السيد الخوئي والمتعلقة بسياسة التضييق والقمع التي انتهجها نظام البعث وبحسب النقاط الآتية:
  • تزامنت مرجعية السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) مع أكثر مراحل نظام البعث قسوة ودموية، ومع ذروة البطش والنهج العدواني؛ إذ أطلق نظام البعث يد أجهزته الأمنية في تنفيذ حملات اعتقال واسعة وإعدامات ميدانية، ولاسيما خلال عقد الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات، وكشفت المدة اللاحقة لآذار من عام 1979م عن قرار صدام عندما كان نائباً في السيطرة على الشؤون الدينية في العراق(1).
  • اقترنت مرحلة تصدي السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) للمرجعية الدينية بتداعيات الحروب الكبرى التي أشعلها نظام البعث، ولا سيما الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وما تلاها من أزمات سياسية وعسكرية ناجمة عن اجتياح الكويت، وفي خضم ذلك، سعى نظام البعث جاهداً لاستدراج المرجعية الدينية بغية الحصول على غطاء شرعي أو تأييد لسياساته العدوانية، إلا أن السيد الخوئي التزم بمنهجه الثابت في النأي بالمرجعية عن التجاذبات السياسية، متخذاً من مبدأ عدم التدخل في الشأن السياسي ركيزةً أساسية للحفاظ على وجود الحوزة واستمرار عملها.
  • السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) هو المرجع الوحيد الذي استشهد (55) من تلاميذه على يد نظام البعث، ومن بين هؤلاء أربعة مراجع، والقائمة المرفقة ربطاً تظهر حجم الاستهداف المنهجي الذي تعرضت له هذه النخبة العلمية(1)، ففي منتصف شهر تموز عام 1981م أعدم النظام العراقي السيد محمد تقي الجلالي وكيل المرجعية الدينية في مدينة الحلة، وفي عام 1982 تم إعدام وكيل المرجعية السيد كاظم شبر، وعدداً كبيراً من أبناء الحركة الإسلامية في مدن كربلاء، والنجف، وميسان، والبصرة، وغيرها، وخلال شهر تشرين الأول من العام نفسه نفذ حكم الإعدام بحق ثلة من العلماء في سجن أبي غريب أبرزهم آية الله السيد محمد طاهر الحيدري أحد علماء مدينة بغداد.
  • تجاوزت انتهاكات سلطة البعث حدود التضييق الأمني والترهيب المباشر، لتنتهج استراتيجية إعلامية عدائية تمثلت في فبركة البيانات وتزييف المواقف المنسوبة للسيد الخوئي؛ بغية النيل من مكانته، وزعزعة ثقة الأمة بمرجعيته، ومما يجدر ذكره قيام السلطة بفبركة بيان ونسبته إلى السيد الخوئي جاء فيه: (بالنسبة لي لم أر من الحكومة العراقية إلا خيراً، أما بالنسبة للحوزة العلمية والإيرانيين فقد سمعتُ من بعض الثقات إن الحكومة تعاملهم معاملةً حسنةً)، وقد صرح السيد الخوئي أن البيان مزور ولم يصدر منه(2).
  • واجه السيد الخوئي ضغوطاً سياسية جسيمة من قبل نظام البعث، بلغت حد تقييد حرية نشر مؤلفاته العلمية، إذ لم تسمح السلطة بطباعتها إلا بعد الحصول على موافقة وزارة الإعلام، مع إلزامية حذف الفقرات والمسائل التي لم تتوافق مع توجهات النظام، وإزاء تلك المضايقات كان السيد الخوئي حريصاً على سلامة وكلائه ومقلديه من جهة، وضمان بقاء الحوزة العلمية واستمرارها في التدريس من جهة أخرى، ولا سيما في ظل تنامي نفوذ التيارات السلفية التي بدأت بفتح مدارسها ونشر تعاليمها المتطرفة.
  • امتازت الحقبة التي تزعم فيها السيد أبو القاسم الخوئي بتفشي ظاهرة التخريب الفكري بوصفه أسلوباً اتبعه نظام البعث في زرع أفكاره بين أبناء الشعب العراقي، ولاسيما الأفكار القومية ونعت الحركات الدينية بالرجعية؛ لذا تصدت المرجعية للمقاومة الفكرية وتثقيف الشباب وتحصين العقول والأفكار بوجه مختلف الانحرافات.
  • اتخذ التضييق على المرجعية الدينية أشكالاً متنوعة، فقد تم اعتقال عدد من أفراد حاشية السيد الخوئي، وقطع خط الهاتف الخاص أكثر من مرة، وجمدت مبالغ مالية تعود لمؤسسات الحوزة العلمية كانت تذهب للمشاريع الخيرية، وفي عام 1983م تعرض السيد أبو القاسم الخوئي لمحاولة اغتيال من خلال القيام بهجوم بالقنابل اليدوية على سيارته اثناء توجهه من بيته في الكوفة إلى جامع الخضراء لأداء فريضة الظهر وقد نجا السيد من تلك المحاولة(1).
  • واجهت المرجعية الدينية في النجف الأشرف موقفاً بالغ الصعوبة إبان الحرب العراقية الإيرانية؛ فقد اتخذت سلطة البعث سلسلة من الإجراءات القسرية للتضييق على المرجع الأعلى السيد الخوئي فوضع تحت الإقامة الجبرية، وأجبر طلبته على الالتحاق بالخدمة العسكرية، ونفي أربعين ألفاً، قسماً كبيراً منهم من طلبة السيد الخوئي، وتم تسفير العديد من طلبة السيد الخوئي من جنسيات مختلفة وكما يتضح من الكتاب الصادر من أمانة سر القطر والمرفق ربطاً.
  • امتازت مرجعية السيد أبو القاسم الخوئي بكثرة اللجان التي شكلها نظام البعث وبأعلى المستويات(2)، بهدف بلورة آليات أمنية وسياسية تهدف إلى تقويض كيان المرجعية الدينية، والحد من نفوذها وتأثيرها في المجتمع، وأهم تلك اللجان كانت في العاشر من تشرين الثاني 1984، وبحسب الوثيقة المرفقة ربطاً، إذ قررت القيادة القطرية لنظام البعث تشكيل لجنة برئاسة عزت إبراهيم نائب رئيس الجمهورية وعضوية عدد من أعضاء قيادة حزب البعث وهم كل من حسن علي ونعيم حداد ومحمد حمزة الزبيدي وسعدون حمادي وكامل ياسين رشيد لإعداد دراسة عن الحوزة العلمية والطلبة العرب غير العراقيين والأجانب في المدارس الدينية، وقد أرسلت اللجنة تقريرها إلى هرم السلطة في السادس من شباط 1985 وتضمن توصيات عدة، من أبرزها إرغام السيد الخوئي على إعلان موقفه الواضح من الحرب مع إيران ومن السيد الخميني، وتسفير مساعديه خارج العراق، ورفض تمديد إقامة طلبة العلوم الدينية الأجانب، وكذلك إعداد شخصيات دينية لزجهم داخل الحوزة العلمية لكي يكونوا ذراعاً للسلطة داخل الحوزة العلمية، وقد رفض السيد الخوئي طلب عزت إبراهيم بإصدار بيان ضد إيران أو تأييد موقف النظام البعثي(3)، وفي شباط 1981م قامَ مدير الأمن العام اللواء فاضل البراك بزيارة السيد الخوئي، وكان يحمل معه نسخةً من كتاب (منهاج الصالحين)، فطلب منهُ ضرورة إصدار بيانٍ يدينُ النظام الإيراني في حربه مع العراق، فأجابهُ السيد الخوئي: بأنه لا يتدخل في السياسة، وهذا أمر يخص الحكومةَ حصراً، فقال له البراك: عدم تدخلكم في السياسة شيء حسن وجيد، ولكنكم تقولون في رسالتكم العملية هذه إذا اقتتلت فئتان مسلمتان فعليكم إصلاحهم، فإما أن تقولوا:  إيران غير مسلمة وتقوم بإدانتها أو تقول: بأنها مسلمة فتصلح بيننا، ثم غادر البراك متوعدا باتخاذ إجراءات صارمة ضد الحوزة، وفي كانون الأول ١٩٨٦م، قام طه الجزراوي (نائب رئيس الوزراء) بزيارة مفاجئة إلى السيد الخوئي وكرر الطلب إليه بإصدار بيان يدين فيه  إيران، لكن السيد الخوئي رفض طلبه، وأصرّ على عدم التدخل في الشأن السياسي(1)، وفي الحادي عشر من حزيران 1987م تشكلت لجنة اخرى برئاسة عزت الدوري وعضوية سعدون حمادي ومحمد الزبيدي وكانت توصيات اللجنة سلبية جدا وقد رفعت إلى هرم السلطة الذي أوصى بدوره بضرورة إنهاء الحوزة وانتقال الحوزة إلى شخصية أخرى والسعي لاختراق الحوزة من خلال زرع عناصر البعث وكما يتضح من الوثيقة المرفقة ربطاً.
  • يعد السيد الخوئي المرجع الوحيد الذي يعتقل عن عمر تجاوز التسعين عاماً وأجبر على مقابلة رأس السلطة الحاكمة، ففي التاسع عشر من آذار أقدمت القوات التابعة للنظام البعثي على جريمة اعتقال السيد أبو القاسم الخوئي، وكان معه مجموعة من السادة العلماء وهم: السيد محمود الميلاني، السيد محمد رضا الخلخالي، السيد عز الدين بحر العلوم، السيد جعفر بحر العلوم، السيد جواد بحر العلوم، وعندما رأى السيد محمد تقي حالة والده وعدم تمكنه من الصعود إلى السيارة العسكرية ترجل من السيارة التي وضع فيها وجاء مهرولاً وقال للضابط: إن الوالد لا يستطيع ركوب السيارة لأنها عالية فإذا أمكن خذوه بسيارته، وأنتم تولوا القيادة، فقال له الضابط لا يمكن ذلك إلا في سيارتنا، فكان اثنان من الجنود يسحبان السيد واثنان يدفعانه حتى أركبوه عنوة، وبعد فندق دار السلام الذي استخدم كمعتقل تم نقل السيد إلى مقر الاستخبارات العسكرية وهناك تم فصل السيد الخوئي عن ولده محمد تقي وتم التحقيق مع السيد من قبل صابر الدوري وضباط آخرين، ولمدة يومين تم حجز السيد في مكان لا توجد فيه مياه ومنع عنه الطعام وفيما بعد ظهر السيد مع هرم السلطة على شاشة التلفاز(1).
  • ثبتت تقارير الأمم المتحدة الانتهاكات التي طالت الحوزة العلمية في النجف الأشرف واغتيال الرموز من عائلة السيد الخوئي (قدس سره) ولاسيما تقارير ماكس فان دير ستول المقرر الخاص للأمم المتحدة*، في تقاريره الصادرة بين عامي 1991 و1999، وتحديداً بعد انتفاضة عام 1991، ومن أبرز ما وثقته: الإقامة الجبرية والاضطهاد ومحاصرة ومضايقة المرجع الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي، وفرض الإقامة الجبرية عليه، فضلا عن اعتقال وملاحقة المقربين منه وتصفية مؤسساته(1)، وتضمنت التقارير اللاحقة توثيقاً لاغتيال كبار علماء الحوزة، ومنهم المرجع الشيخ مرتضى البروجردي، والمرجع الشيخ علي الغروي(1998) .
مصدر الوثيقة: قيس ناصر راهي: مقدمات عن سياسة نظام البعث في العراق تجاه الشعائر الحسينية المقدمة الثانية-حقبة (1979-1991م) مقالة منشورة في موقع المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، العتبة العباسية المقدسة، 2025.

اختيار رفاق لديهم الرغبة في العمل كرجال دين
مصدر الوثيقة:
مصدر الوثائق: عباس كاظم، الحوزة تحت الحصار (دراسة في ارشيف حزب البعث العراقي)، سلسلة دراسات فكرية، جامعة الكوفة، الطبعة الأولى، بيروت، 2018، ص107-116.

الهوامش:

(1) قيس ناصر راهي: مقدمات عن سياسة نظام البعث في العراق تجاه الشعائر الحسينية المقدمة الثانية – حقبة (1979-1991م) مقالة منشورة في موقع المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، العتبة العباسية المقدسة، 2025.
(1) صاحب الحكيم، موسوعة عن قتل واضطهاد مراجع الدين وعلماء وطلاب الحوزة الدينية لشيعة بلد المقابر الجماعية في العراق.
(2) ضياء عدنان الخباز، دوحة من جنة الغري، الأولياء للطباعة والنشر بيروت، 2010، ص194.
(1) جاسم محمد إبراهيم اليساري، أثر السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي في الحياة العلمية والاجتماعية والسياسية (1899-1992)، مجلة جامعة كربلاء، المجلد 12، العدد 2، 2014، ص 113.
(2) للمزيد ينظر: عباس كاظم، الحوزة تحت الحصار (دراسة في أرشيف حزب البعث العراقي)، سلسلة دراسات فكرية، جامعة الكوفة، الطبعة الأولى، بيروت، 2018، ص107-116.
(3) قبس من حياة الإمام أبو القاسم الخوئي، تقديم عبد الجبار الربيعي، إعداد حسني علي الحلاني، مؤسسة المنار، بيروت، 1992.
(1) عبد الرحمن عبيد سالم العامري، المرجعية الدينية في النجف الأشرف: حراكها السياسي ومواقفها في القضايا المحلية والإقليمية (1967–1999)، أطروحة دكتوراه، جامعة البصرة، 2023، ص188.
(3) أسعد حميد أبو شنة، دور آية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي في مواجهة سياسات حزب البعث في العراق، مؤتمر المرجعية وأثرها في بناء الإنسان، ص167.
* ماكس فان دير ستول، دبلوماسي هولندي ومسؤول مراقبة رسمي من قبل الأمم المتحدة لانتهاكات حقوق الإنسان في العراق خلال التسعينيات رسم صوراً مؤلمة لإجرام نظام البعث، توفي عن عمر 86 عاماً، وقد أثارت تقاريره غضب سلطات البعث لدرجة أنه لم يُسمح له بالعودة، لكنه قدم اثني عشر تقريراً إضافياً حول حقوق الإنسان في العراق على مدى السنوات الثماني التالية، وفي تقريره الأخير عام 1999، ذكر السيد فان دير ستول أن سجل صدام حسين في حقوق الإنسان كان من بين الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، وقد استشهد الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بالسيد فان دير ستول عند تقديم مسوغات الإطاحة بنظام صدام في عام 2003.
(1) تقرير عام 1992: الأمم المتحدة، الجمعية العامة، وضع حقوق الإنسان في العراق، تقرير المقرر الخاص ماكس فان دير ستول.