بقلم الدكتورة حنان قاسم ترجمان
لا تبدأ جرائم العنف الجماعي بإطلاق الرصاص وإنما تبدأ بخطابٍ يُقصي الآخر ويزرع الكراهية ويُجرّد الإنسان من إنسانيته، فالتطرف مهما كان لونه أو شعاره أو انتماؤه السياسي يتحول مع مرور الوقت إلى بيئة خصبة للعنف وعندما يغيب القانون وتُطلق يد الجماعات المتشددة تكون النتيجة مآسٍ إنسانية يصعب أن ينساها التاريخ.
وتعد أحداث كركوك في تموز/يوليو 1959 واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ العراقي الحديث؛ إذ تحولت الاحتفالات بالذكرى الأولى لثورة 14 تموز إلى أعمال عنف دامية استهدفت مواطنين مدنيين من أبناء المكون التركماني وأسفرت عن عمليات قتل وسحل ونهب وترويع في مشاهد تركت جرحاً عميقاً في ذاكرة المدينة والعراق عموماً.
لقد سبقت تلك الأحداث مؤشرات عديدة على تصاعد الاحتقان السياسي والقومي ورافقها خطاب تعبوي وتحريضي بين القوى المتصارعة آنذاك الأمر الذي هيأ الأجواء لانفلات أمني خطير، وتشير العديد من الشهادات والوثائق التاريخية إلى أن التحريض والكراهية كانا من أبرز العوامل التي أسهمت في اندلاع أعمال العنف في وقت عجزت فيه مؤسسات الدولة عن حماية المدنيين والسيطرة على الوضع منذ الساعات الأولى للأحداث.
ولم تكن مأساة كركوك مجرد صدام سياسي عابر، بل مثلت مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن يتحول فيها التطرف السياسي والقومي إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، عندما تُستباح حياة المدنيين بسبب انتمائهم القومي أو الفكري وهو ما يتعارض مع أبسط المبادئ الإنسانية والقانونية.
وقد وصف رئيس الوزراء آنذاك عبد الكريم قاسم ما جرى في كركوك بأنه “لطخة سوداء في تاريخ العراق وثورة 14 تموز” مستنكراً أعمال القتل والسحل والتمثيل بالجثث ومؤكداً أن تلك الأفعال لا تمت بصلة إلى مبادئ الحرية أو الديمقراطية وهو توصيف يظهر حجم الصدمة التي أحدثتها تلك الوقائع في الرأي العام العراقي آنذاك.
وبعيداً عن الجدل السياسي الذي استمر لعقود حول المسؤوليات والأطراف المتورطة فإن الحقيقة التي لا يختلف عليها المنصفون هي أن المدنيين الأبرياء كانوا الضحية الأولى للتطرف وخطاب الكراهية وأن ما جرى في كركوك يمثل درساً تاريخياً يؤكد أن التحريض والتعصب مهما كانت مسوغاتهما يقودان في النهاية إلى العنف وسفك الدماء.
واليوم وبعد مرور عقود على تلك الأحداث لا ينبغي استحضارها لإحياء الخصومات أو تأجيج المشاعر وإنما لاستخلاص العبرة، فمواجهة التطرف تبدأ برفض خطاب الكراهية وترسيخ ثقافة المواطنة، واحترام التنوع القومي والديني وصون كرامة الإنسان حتى لا تتكرر مآسي الماضي بحق أي مكون من مكونات العراق.
