مناسك العمرة في ظل نظام البعث: قراءة في وثائق أمنية

أ.د. حسين الزيادي

الوثيقة المرفقة ربطاً عبارة عن مراسلة أمنية صادرة من معاونية أمن 17 تموز إلى مديرية أمن المنصور تحمل العدد 2499 في 11/ 8/ 2002 بعنوان موسم العمرة ، ويلحظ أنها كانت إجابة على كتاب المديرية المرقم 6300 في 5/ 8/ 2002 ، ومحتوى الوثيقة يشير إلى اطلاع ضابط أمن المعاونية على كتاب المديرية، وأنه أي ضابط الأمن من خلال عمله السابق في إحدى المنافذ الحدودية قد لاحظ أن المسافرين يدّعون أن سبب سفرهم إما لغرض العلاج أو السياحة أو زيارة الأقارب، رغم أن هناك أشخاصاً ملتحين ويشك – أي ضابط الأمن – أنهم ذاهبون لأداء مناسك العمرة لكن لا يوجد سبب وجيه لإرجاعهم وعدم السماح لهم، وتأتي هذه المراسلة الأمنية الصادرة في آب 2002 في أعقاب الانفراج الدبلوماسي بين العراق والمملكة العربية السعودية بعد قمة بيروت في 28 آذار 2002، وإعادة فتح مجمع القادسية (طربيل) الحدودي وتسيير حملات العمرة البرية، وتكشف الوثيقة عن التوجس الأمني لنظام البعث وسعيه لتطويق آثار هذا الانفتاح عبر إجراءات بوليسية تحد من حرية المواطنين وسفرهم، وبناءً على ذلك، تقترح  معاونية الأمن القيام بإجراءات قمعية للحد من هذا الحق، تتلخص في:

  1. المقترح الأول: فرض عقوبات وقوانين رادعة حيال أداء مناسك العمرة، مثلاً عند عودة المعتمرين يفتح لهم سجل خاص بهم ويمكن معرفة ذهابهم إلى العمرة من خلال الأختام السعودية الموجودة على جوازاتهم، ومن ثم درجهم في سجل ومنعهم من السفر لمدة ثلاث سنوات ليكون ذلك رادعاً لهم ولغيرهم – بحسب تعبير الوثيقة – وتأشير ذلك في القيود السرية في الأقسام والمحافظات.

  2. المقترح الثاني: إعطاء صلاحيات لمكاتب الجوازات في المنافذ الحدودية بإرجاع وعدم السماح للقوافل التي تروم الذهاب إلى السعودية ويمكن التعرف على هذه القوافل بسهولة.

  3. المقترح الثالث: معاقبة العاملين في مكاتب الجوازات في بغداد والمحافظات والمنافذ الحدودية في حالة تسهيل الأمر لهذه القوافل للسفر خارج القطر، ولما تقدم تعد هذه الإجراءات كفيلة بالحد من الظاهرة.

انتهاك حقوق الإنسان

الوثيقة لا تمثل آراء فردية أو مقترحات شخصية فهي نابعة من مسؤول كبير في جهاز أمني، ولاشك أنه على اطلاع ودراية بمنهج السلطة وطرق تعاملها مع الأحداث لذلك جاءت المقترحات مطابقة لرغبات السلطة وآلية تعاملها مع الأحداث، والقراءة المتمعنة للوثيقة تبين أنها تتعارض جوهرياً مع مبادئ حقوق الإنسان الأساسية، ولا سيما تلك المتعلقة بحرية التنقل والحرية الشخصية:

  1. انتهاك الحق في حرية التنقل (المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية): تنص المادة على أن لكل فرد حرية مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، ولا يجوز أن تكون حرية التنقل محلاً لأي قيود والوثيقة تقترح منع السفر والوثيقة تقترح وضع العراقيل وتسجيل المُتعمرين في سجل خاص ومنعهم من السفر لمدة ثلاث سنوات، وهو ما يُعد تقييداً تعسفياً لهذا الحق.

  2. انتهاك قرينة البراءة: المقترحات في الوثيقة تُعامل الأفراد بوصفهم مدانين لمجرد سفرهم خارج العراق أو لأدائهم مناسك العمرة، وتفرض عليهم عقوبات مسبقة دون محاكمة أو حكم قضائي عادل، مما يضرب عرض الحائط بمبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

  3. إن فكرة إدراج الأسماء في سجل خاص للمنع من السفر لمدة ثلاث سنوات هي إجراءات عقابية لا تستند إلى القانون، بل يشير إلى صلاحيات أمنية مطلقة تتجاوز القانون وتهدف للتحكم بحركة المواطنين، الأمر الذي يتعارض مع أهم مبادئ القانون: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.

  4. الحق في ممارسة الشعائر الدينية: تقييد سفر المواطنين لأداء مناسك العمرة يمثل انتهاكاً لحق الأفراد في ممارسة شعائرهم الدينية؛ إذ استخدم النظام الأمني العمرة مدخلاً لفرض رقابة أمنية وملاحقة للأفراد، وأن القيود الواردة في الوثيقة هي إجراءات أمنية بوليسية، وليست قوانين شرعتها سلطة تشريعية، بل هي جزء من آلية القمع الممنهج التي كان يمارسها النظام السابق للسيطرة على حركة المعارضين أو المشتبه بهم، مما يجعلها انتهاكاً صارخاً وغير مشروع لأحكام العهد الدولي، فضلاً عن مخالفتها للمواد الدستورية التي احتواها دستور 1970 المؤقت الذي يفترض أن يحدد عمل السلطة واتجاهاتها.