حين احترقت الحياة في الكرادة: مقاربة حقوقية في انتهاكات القانون الدولي الإنساني والآثار الاقتصادية والاجتماعية لمجزرة الكرادة الشرقية

د. عباس القريشي

بعض الأحداث في التاريخ تُسجَّل في سجلّ الزمن وتتحول إلى نماذج معيارية تُختبر بها فعالية منظومة حقوق الإنسان وقدرة القانون الدولي الإنساني على حماية المدنيين في النزاعات غير المتكافئة، وفي هذا السياق، تندرج مجزرة الكرادة الشرقية التي وقعت في الثالث من تموز 2016 في العاصمة العراقية بغداد ضمن أبرز الانتهاكات الجسيمة التي استهدفت المدنيين في العراق، لتشكل نموذجا صارخا لاستهداف الحق في الحياة والأمن الشخصي، وتحديا مباشرا لمبادئ التمييز والتناسب والحماية الواجبة للمدنيين.
وفي سياق الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، فقد أسفرت المجزرة عن استشهاد أكثر من (290) مدنيا – أطفالاً ونساءً وشيوخاً وشباباً وجُرح أكثر من (200) مدني آخر، في هجوم استهدف منطقة تجارية مزدحمة في الكرادة الشرقية قلب العاصمة بغداد، ويُعد هذا الفعل، على وفق معايير القانون الدولي الإنساني، انتهاكا جسيما لمبدأ حماية المدنيين المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف، ولا سيما الحظر المطلق لاستهداف الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية؛ ويشكل هذا الفعل انتهاكا صارخا للحق في الحياة المنصوص عليه في المادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى كونه يدخل ضمن نطاق الجرائم التي ترقى إلى مستوى الجرائم الدولية والجرائم الإرهابية ذات الأثر الواسع على الأمن الإنساني، لما يترتب عليه من بث الرعب الجماعي وتقويض الشعور بالأمان العام.
أما عن الآثار الاقتصادية للجريمة، فإن المجزرة أحدثت أضرارا اقتصادية مباشرة تمثلت في تدمير عدد كبير من المحال التجارية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في منطقة الكرادة، وهي من أكثر مناطق بغداد حيوية من الناحية التجارية. وقد أدى ذلك إلى تعطّل النشاط الاقتصادي المحلي بشكل مؤقت، وتراجع حركة السوق، علاوة على خسائر مادية كبيرة طالت أصحاب المشاريع والعاملين فيها، بالإضافة إلى هجرة رأس المال إلى مناطق أخرى أكثر أمناً. وأثرت الجريمة على بيئة الاستثمار المحلي من خلال زيادة المخاطر الأمنية المدركة، الأمر الذي أسهم في إضعاف الثقة بالفضاء الاقتصادي الحضري، ورفع كلفة النشاط التجاري في المناطق المماثلة.
وعلى الصعيد الاجتماعي، أسهمت المجزرة في إحداث شرخ عميق في النسيج المجتمعي، تمثل في تفكك عدد من الأسر، وفقدان المعيل في حالات متعددة، إضافة إلى تغيّر أنماط الحياة اليومية للسكان في المنطقة المتضررة.
أما على المستوى النفسي، فقد خلّفت الجريمة آثارًا ممتدة لدى الناجين وذوي الضحايا، تمثلت في اضطرابات ما بعد الصدمة، وارتفاع مستويات القلق الجمعي، وتراجع الإحساس بالأمان في الفضاءات العامة، وهو ما يشكل أحد أبرز الآثار غير المرئية للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وإن توثيق مثل هذه الجرائم يُعد فعلاً أرشيفياً ويمثل ركيزة أساسية في مسار العدالة الانتقالية، إذ يهدف إلى حفظ الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومنع الإفلات من المساءلة الرمزية والتاريخية، ويسهم التوثيق في بناء ذاكرة جماعية مقاومة للنسيان، ويعزز من قدرة المجتمع على فهم ماضيه بما يضمن عدم تكرار الانتهاكات، ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في السياقات التي تشهد تصاعدا في العنف ضد المدنيين؛ إذ يصبح التوثيق وسيلة لحماية الحقيقة من التشويه أو التلاشي.
ختاماً يمكننا القول إنَّ مجزرة الكرادة الشرقية تمثل حالة مركبة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تتداخل فيها الأبعاد القانونية مع الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية؛ وبذلك فإن التعامل معها لا ينبغي أن يقتصر على الإدانة الأخلاقية، إنما يتطلب مقاربة حقوقية شاملة تُدمج فيها أدوات التوثيق والعدالة الانتقالية، بما يضمن حفظ الذاكرة الوطنية ومنع تكرار مثل هذه الجرائم في المستقبل.