أ.د. حسين الزيادي
الوثيقة المرفقة ربطاً صادرة من مديرية أمن محافظة واسط: ل2 ، وموجهة إلى ضابط أمن الكوت بتاريخ 24 / 10 / 1982م، تحمل الوثيقة رقم المنشئ 1954 ، وهي برقية أمن عام / 32 / م1 تحمل الرقم 55916 ، ومحتوى الوثيقة بما أنها صادرة من جهة عليا فإنها تأمر ضابط أمن مدينة الكوت بحجز عائلة نائب عريف مشاة جبار علي ماهود المنسوب إلى الفيلق الأول – اللواء 38 ، بناءً على طلب مديرية الاستخبارات العسكرية العامة بكتابها المرقم 2 / ش5 / ق3 / 105047 في 11 / 10 / 1982م، لهروب الأخير إلى جانب العدو الفارسي – بحسب تعبير الوثيقة – ثم تفصل الوثيقة ضوابط وآليات الحجز؛ إذ يتضح من متن الوثيقة وبشكل صريح أنها تطالب بتطبيق نظام عقابي جماعي استناداً إلى القواعد الآتية التي حددتها الوثيقة:
-
إذا كان الشخص الهارب متزوجاً، يتم حجز زوجته وأطفاله.
-
إذا لم يكن متزوجاً، يتم حجز والده ووالدته.
-
في حال وفاة الوالدين، يتم حجز الشخص المؤثر في العائلة.
التحليل القانوني
يمثل مضمون هذه الوثيقة انتهاكاً صارخاً وجسيماً لأبرز مبادئ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والشرعية الدولية لحقوق الإنسان، وتندرج هذه الممارسات تحت مسمى العقاب الجماعي، وذلك على النحو الآتي:
-
انتهاك مبدأ شخصية العقوبة؛ إذ تنص كافة القوانين الدولية على أن العقوبة شخصية، أي لا يجوز محاسبة أو معاقبة أي فرد عن فعل ارتكبه شخص آخر (حتى لو كان قريباً من الدرجة الأولى)، وقد نصت المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على مبدأ شخصية العقوبة.
-
انتهاك مبدأ: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وهو من أهم المبادئ القانونية التي نصت عليها المواثيق والدساتير الدولية، وهو أمر يتطابق مع المادة الأولى من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 الذي نص على : لا عقاب على فعل أو امتناع إلا بناء على قانون ينص على تجريمه وقت اقترافه ولا يجوز توقيع عقوبات أو تدابير احترازية لم ينص عليها القانون.
-
الانتهاك الدولي: تخالف الوثيقة بشكل مباشر المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر تماماً العقوبات الجماعية والتدابير التهديدية ضد الأشخاص المحميين وعائلاتهم.
-
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: انتهاك صريح للمادة (11) التي تؤكد فرضية البراءة وضمانات الدفاع الشخصي؛ إذ تم إدانة واحتجاز عوائل كاملة دون ارتكابهم أي جرم قانوني.
-
الاعتقال والاحتجاز التعسفي وحرمان الحرية الانتهاك الدولي: تأمر الوثيقة باحتجاز أفراد عزل (نساء، أطفال، شيوخ) دون توجيه تهم قانونية أو عرضهم على سلطة قضائية مستقلة، هذا يخالف المادة (9) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واللتان تنصان على أنه: لا يجوز اعتقال أي شخص أو حجزه تعسفاً.
-
انتهاك حقوق الطفل وحمايته الأساسية الانتهاك الدولي: الأمر الصريح بحجز الأطفال يمثل انتهاكاً جسيماً للحقوق الأساسية للطفل، وضمان نموه في بيئة آمنة، يمثل هذا الإجراء خرقاً للمبادئ التي اعتمدتها الأمم المتحدة لاحقاً في اتفاقية حقوق الطفل، ويهدد سلامة الأطفال البدنية والنفسية عبر زجهم في المعتقلات الأمنية نتيجة هروب معيلهم.
-
حماية الأسرة من التدخل التعسفي الانتهاك الدولي: تشكل هذه الأوامر هجوماً ممنهجاً وتدخلاً تعسفياً وهدّاماً في كيان الأسرة الواحدة، وهو ما يخالف المادة (12) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (17) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واللتان تحظران التدخل التعسفي في حياة الفرد.
الشخص المؤثر
أكثر العبارات إثارة للجدل ولفتاً للنظر هي عبارة حجز الشخص المؤثر في العائلة في حالة كون الشخص غير متزوج وإن والديه متوفيان، ومصطلح الشخص المؤثر في العائلة علاوة على كونه من المصطلحات الغريبة في القاموس القانوني – فإنها تفتح الباب على مصرعيه أمام اجتهادات القوى الأمنية، ويمنح الأجهزة الاستخبارية صلاحية تقديرية واسعة لتحديد أي أفراد العائلة أكثر قدرة على إيلام الهارب، وقد صُمم هذا المصطلح لتلافي أي ثغرة قانونية قد تسمح للعائلة بالإفلات من العقوبة في حال وفاة الأب والأم، والهدف هنا ليس معاقبة الشخص المؤثر لذاته، بل ترهيب المجتمع ومنع بقية أفراد العائلة أو الأقارب من التفكير في سلوك ذات المسلك.
خلاصة الوثيقة
تأسيساً على ما تقدم يتضح أن هذه الوثيقة تعد دليلاً مادياً دامغاً على ممارسات إرهاب الدولة والعقاب الجماعي الممنهج الذي كان يمارسه نظام البعث خلال مدة حكمه، وإن إجازة اعتقال النساء والأطفال والوالدين كبدلاء عن الشخص الملاحق يجرّد المنظومة القانونية والأمنية الصادرة عنها هذه القرارات من أي شرعية قانونية أو إنسانية، وهناك أنواع من الضرر التي طالت المواطنين نتيجة لذلك بسبب الاعتقال التعسفي، والحرمان التام من الحرية والأمان الشخصي، والتعرض للاضطهاد السياسي والأمني الممنهج لأسباب تتعلق بتبعات حرب لم يكن للمواطنين المدنيين أي سبب في اندلاعها، وتوصف عملية الاحتجاز بأنها إرهاب دولة؛ لأنها وظفت مؤسسات الدولة الرسمية لإدارة وتنفيذ عمليات ترويع وتخويف ممنهجة ضد المواطنين العزل.
