مقدمة تعريفية عن موسوعة ضحايا إجرام نظام البعث في العراق

موسوعة ضحايا إجرام نظام البعث في العراق

(مقدمة تعريفية)

وحدة الدراسات والبحوث والترجمة

في المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف

 

تتألف الموسوعة من 22 مجلداً رئيساً بأكثر من عشرة آلاف صفحة تُغطي ضحايا جرائم نظام البعث في العراق، إلى جانب أجزاء متخصصة تتناول محاور بعينها من أشد المحاور إيلاماً وأكثرها دلالةً في كشف طبيعة ذلك النظام وأساليب إجرامه، وتتبنّى الموسوعة في مجلداتها المختلفة منهجاً توثيقياً يعتمد تصنيف الضحايا وفق معايير متعددة تشمل: الانتماء الجغرافي والمحافظة، والمرحلة الزمنية لوقوع الجريمة، وطبيعة الاستهداف، فضلاً عن توثيق الهوية الاجتماعية للضحية من حيث المهنة والانتماء الديني والوضع الأسري، وقد مكّن هذا التصنيف الدقيق من رسم خريطة إحصائية وجغرافية وزمنية شاملة لأنماط جرائم نظام البعث، التي تكشف بما لا يقبل الشك عن طابعها المنظّم وخططها المدروسة.

وفي هذا السياق، تكتسب هذه الموسوعة قيمة علمية متميزة من عدة زوايا أكاديمية متخصصة، فمن منظور علم الاجتماع السياسي، تُقدّم مادة نادرة لدراسة بنية الاستبداد وآليات تشغيله وطرق تعامل المجتمعات مع القمع الممنهج، ومن منظور التاريخ الاجتماعي، تُغطي فجوات توثيقية جوهرية في المشهد المعرفي حول تاريخ العراق الحديث، ومن منظور الدراسات الإنسانية، تُقدّم تجسيداً فريداً لمفهوم (التاريخ من أسفل) بمعناه العلمي، أي توثيق الحدث التاريخي من خلال ضحاياه لا من خلال منتصريه.

إن هذه الموسوعة لا تنتمي فقط إلى ضحاياها ولا إلى ذويهم وحسب، إنما هي ملك للذاكرة الجمعية العراقية، وصرخة في وجه النسيان، وتذكير حي بأن الحقيقة تجد في نهاية المطاف من يُعلنها ويُسجّلها.

إنّ أول ما يلفت النظر في هذه الموسوعة هو أنها تُبنى على تصور معرفي رأى جرائم البعث على أنها منظومة حكم اشتغلت على إنتاج الضحية بوصفها نتيجة لازمة لبنية الاستبداد، ولذلك لا تأتي مجلدات الموسوعة لتوثيق أفراد متناثرين لا رابط بينهم، إنما ضحايا انتموا إلى خرائط اجتماعية وثقافية وعقائدية متداخلة، وأن استهدافهم لم يكن منفصلًا عن هوية النظام نفسه، وعن آليات اشتغاله الأمني والحزبي، ومن هنا فإنّ الموسوعة، في بنيتها العامة، تنقل القارئ من مستوى من قتلوا؟ إلى مستوى أعمق، كيف اشتغلت آلة الإجرام؟ وعلى من اشتغلت؟ وبأية طرائق؟ وما الذي تكشفه أنماط الاستهداف عن طبيعة السلطة نفسها؟ وهذه الأسئلة لا تُطرح بإطارها النظري فحسب، إنما تتجسد داخل مجلدات الموسوعة عبر المادة التوثيقية ذاتها، فبعض مجلداتها تكشف الاتساع العددي والتوزع الزمني للحصيلة البشرية، فيما تتكفل الأجزاء المتخصصة بإظهار البنية الداخلية للعنف، وتمييز فئاته ومساراته وتجلياته، وتقوم المجلدات العامة من الموسوعة على قاعدة أرشيفية واضحة غير أنّ القيمة الأعمق للمشروع تتجلى في أنه لا يكتفي بهذا المستوى التصنيفي، بل يرفده بأجزاء نوعية تكشف عن الفئات الأكثر استهدافاً وعن الكيفية التي تحوّل بها القمع إلى سياسة شاملة.

ففي الجزء الخاص بعلماء الدين ضحايا إجرام نظام البعث في العراق لا نجد مجرد توثيق لأسماء علماء استشهدوا، إنما نرى كيف كان العالم الديني موضوعاً مباشراً للمراقبة والاعتقال والتعذيب والتصفية، بسبب موقعه المعنوي والاجتماعي وصلته بالجمهور والمرجعية والوعي الديني، وتظهر بنية النص في هذا الجزء من الموسوعة عبر عناصر متكررة مثل: الاسم، والتولد، والنشأة، والدراسة والأساتذة، ثم الاعتقال والاستشهاد، وأحياناً الإشارة إلى ضحايا من الأسرة نفسها، وهي بنية لا تكتفي بإثبات الوفاة، بل تعيد للضحية سياقها الاجتماعي والعلمي والجهادي، وإنّ الشهيد هنا يُقدَّم بوصفه سيرة كاملة قطعتها الدولة العنيفة، وشاهداً على أن استهداف العلماء كان جزءاً من سياسة مقصودة لتجفيف مصادر الوعي والتوجيه والقيادة الروحية داخل المجتمع العراقي.

والأمر نفسه يصدق على الجزء الخاص بشهداء المنبر الحسيني في العراق، الذي يمنح الموسوعة بُعدًا آخر من أبعاد الجريمة، ذلك أن المنبر الحسيني في التاريخ العراقي ليس مجرد ممارسة خطابية أو شعيرة وعظية، إنما مؤسسة اجتماعية وثقافية وتربوية ذات أثر عميق في تشكيل الوعي العام، ومن ثمّ فإن استهداف خطباء المنبر الحسيني خلال حقبة البعث يكشف أن القمع لم يكن متجهاً إلى معارضين سياسيين بالمعنى الضيق فقط، إنما لكل حاملي الخطاب الديني أو الأخلاقي والقادرين على تحريك المجتمع وربطه بمرجعياته التاريخية والرمزية، ويبيّن هذا الجزء، من خلال التراجم الفردية، أن المنبر كان فضاءً للمقاومة المعنوية، وأن الخطيب الحسيني تحول في نظر السلطة إلى عنصر خطر؛ لأن صوته يتجاوز حدود المجلس إلى الفضاء الشعبي الرحب، وهكذا تندرج تراجم هؤلاء الشهداء داخل منطق أوسع، هو منطق الحرب على الذاكرة الدينية الجماعية، وعلى المؤسسات الرمزية التي تحفظ هوية المجتمع وتمنحه قدرة على الاعتراض والصمود.

أما جزء نساء ضحايا إجرام نظام البعث فيكشف بعداً أساسياً لا تكتمل صورة القمع من دونه، وهو أنّ المرأة العراقية لم تكن هامشًا في سجل الاستهداف، ولا مجرد متلقية ثانوية لنتائج العنف، إنما كانت هي ذاتها موضوعاً مباشراً للاضطهاد والملاحقة والتعذيب والإعدام، وإن هذا الجزء يفتح باباً مهماً لفهم البعث بوصفه نظاماً استهدف البنية الاجتماعية كلها، لا الرجال وحدهم، ولا النخب السياسية أو الدينية فقط، فالمرأة في هذه التراجم تظهر فاعلةً في التربية، والعمل الإسلامي، والوعي الاجتماعي، والالتزام الديني، ومقاومة الانحراف القيمي الذي أرادت السلطة فرضه، ولهذا كانت محلاً للعقاب، وتبرز سيرة الشهيدة آمنة حيدر الصدر (بنت الهدى) في الصفحات الأولى من هذا الجزء مثالاً دالاً على أن استهداف المرأة كان في جوهره استهدافاً للرمز، وللكلمة، وللقدرة على تعبئة المجتمع، وللمكانة المعنوية التي قد تبلغ في أثرها ما يتجاوز الفعل السياسي المباشر، ومن ثم فإن هذا الجزء يوسّع مفهوم الجريمة نفسها، ويبرهن أن آلة البعث لم تميز في بطشها بين المجال العام والخاص، ولا بين الفاعل السياسي والفاعل الثقافي والتربوي والديني.

ويأتي جزء أساليب التعذيب والجرائم البعثية ليؤدي وظيفة تفسيرية محورية داخل بنية الموسوعة. فإذا كانت المجلدات العامة والأجزاء الفئوية تُظهر من هم الضحايا؟ فإن هذا الجزء يجيب عن سؤال كيف جرت الجريمة؟ وقد بُني هذا العمل على تقسيم واضح يبدأ بفصل عن التطرف السياسي وأثره في انتهاكات حقوق الإنسان في حكم البعث بين 1968 -2003م، ثم ينتقل إلى فصل واسع عن انتهاكات القتل والتعذيب، ويورد عدداً كبيراً من أساليب التعذيب البدنية المباشرة وغير المباشرة، ثم يفرد فصلًا لأساليب التعذيب النفسي وآثاره، وتكشف محتويات هذا الجزء عن أن التعذيب كان منهجاً سلطوياً ذا خبرات متراكمة وأدوات متنوعة وأهداف مقصودة، تشمل الإذلال، وانتزاع الاعتراف، وكسر الإرادة، وتحطيم البنية الجسدية والنفسية للضحية، وأن استعراض هذا العدد الكبير من أساليب التعذيب يخرج الجريمة من حيّز التوصيف الأخلاقي العام إلى حيّز البنية الإجرائية المنظمة، أي إلى مستوى النظام الذي راكم المعرفة القمعية، وعممها في السجون والمعتقلات والأجهزة الأمنية والحزبية.

وفي السياق نفسه، إن هذا الجزء لا يقتصر على توصيف الممارسة الوحشية، بل يربطها كذلك بالخلفية القانونية والسياسية التي سمحت بها، فيشير إلى القرارات العقابية المخالفة للشرائع والمواثيق الدولية والدستور، وإلى سياسة الاعتقالات، وإلى موقف الأمم المتحدة، وإلى الإدانات والأحكام اللاحقة بعد 2003. وهذا الربط بين الجرم المادي وإطاره السياسي والقانوني يمنح الموسوعة بعداً حقوقياً لا يقل أهمية عن بعدها التوثيقي، فالضحية هنا تُستعاد في فضاء الذاكرة وفي فضاء الحق، بما يعني أن هذا المشروع يصلح لأن يكون مرجعاً للباحث التاريخي، ولدارس العنف السياسي، وللمهتم بملفات العدالة الانتقالية، وللباحث في الذاكرة الجماعية العراقية، وأن وصف التعذيب بوصفه منهجاً للسلطة، لا مجرد أداة عابرة، ينسجم مع بقية أجزاء الموسوعة التي تثبت أن الاستهداف كان منظمًا ومتكررًا وعابراً للفئات والمناطق والأعمار.

ومن خلال النظر في مجلدات الموسوعة مجتمعةً، يمكن القول إن الموسوعة تتحرك على ثلاثة مستويات متكاملة، وهي:

المستوى الأول/ هو مستوى الحصر والتثبيت والتحقق، الذي تتولاه المجلدات العامة ذات البنية الجدولية؛ إذ يجري إنقاذ الاسم من الضياع، وربطه بمؤشرات تعريفية أساسية تحفظه في سجل الذاكرة الوطنية.

المستوى الثاني/ هو مستوى التصنيف النوعي، الذي تتولاه الأجزاء المتخصصة الخاصة بالعلماء، والنساء، وشهداء المنبر الحسيني، بما يوضح خرائط الاستهداف داخل المجتمع العراقي.

المستوى الثالث/ هو مستوى الكشف البنيوي عن الجريمة، الذي يتجسد بأوضح صورة في جزء أساليب التعذيب والجرائم البعثية؛ إذ تنكشف عقلانية العنف وتقنياته ومرجعياته المؤسساتية، ومن اجتماع هذه المستويات الثلاثة تتولد القيمة الكبرى للموسوعة؛ لأنها لا تكتفي ببيان وقوع الجريمة، بل تبني معرفة مركبة عنها: معرفة بأسمائها، وضحاياها، وفئاتها، وأدواتها، وسياقاتها، فضلاً عن كتاب تقارير الأمم المتحدة في إدانة نظام البعث 1991-2003، وكتاب التأسيس المعرفي لدراسة جرائم نظام البعث.

ومن الناحية المنهجية، تُظهر هذه الأجزاء أن التوثيق في الموسوعة يسير على أنماط متعددة يعتمد التكامل بين السجل والترجمة والتحليل، ففي المجلدات العامة تسود لغة الإحالة والضبط والتبويب، بينما تتقدم في الأجزاء المتخصصة لغة السيرة والتعريف والاستعادة الاجتماعية للضحية، ثم تأتي في جزء التعذيب لغة أقرب إلى التحليل الحقوقي والوصف الجنائي، وهذه التعددية المنهجية من أهم عناصر القوة في المشروع؛ لأنها تستجيب لطبيعة المادة نفسها، فليس من الممكن اختزال ضحايا البعث في جداول فقط، ولا يكفي بالسرد التراجمي دون قاعدة توثيقية جامعة، ولا يكتمل المعنى كذلك من دون تفسير أدوات القمع .

وتكشف مجلدات الموسوعة أن جرائم نظام البعث في العراق لم تكن موجهة ضد فئة أحادية يمكن حصرها بعنوان سياسي مباشر، إنما هي جريمة ممتدة عبر طبقات المجتمع: علماء، وخطباء، ونساء، وشباب، وعوائل، وشرائح عمرية مختلفة، وهو ما تظهره المجلدات العامة في تنوع الأسماء والمواليد وتواريخ الاستشهاد، كذلك تظهره الأجزاء الخاصة في تباين المواقع الاجتماعية والثقافية للضحايا، وهذا التعدد في الضحايا يدل على اتساعها البنيوي، وعلى أن نظام البعث تعامل مع المجتمع بوصفه مجالًا ينبغي تطويعه أو تفكيكه أو إخضاعه، وأن كل من امتلك قدرة رمزية أو تربوية أو دينية أو اجتماعية على التأثير صار مشروع استهداف محتمل، ومن هنا فإن الموسوعة لا توثق ضحايا أفرادًا فحسب، إنما توثق الاعتداء على المجتمع العراقي نفسه في تنوعه الثقافي والديني.