أ.د. حسين الزيادي
ارتبطت مجزرة سبايكر بشكل وثيق بنهر دجلة؛ لذا سنحاول في هذه المقالة أن نبتعد عن القراءات التقليدية التي توثق بالأرقام والوقائع مجزرة سبايكر التي تعدّ أبشع مجزرة بشرية شهدها العالم في العصر الحديث، ونحاول النفاذ إلى عمق الفلسفة الإجرامية لفهم طبيعة النزعة التكفيرية التي قلبت النواميس الكونية، لتحوّل الماء الذي- جعل الله منه كل شيء حي – إلى مسرح للجريمة والقتل الجماعي، وقد تمكنت فرق البحث لاحقا من انتشال بقايا الجثث التي علقت بين الصخور والممرات المائية قرب القصور الرئاسية؛ مما جعل النهر يتحول فعلياً إلى مقبرة جماعية جرفت معها آلام الضحايا ودموع عوائلهم.
تحليل جغرافي لعملية القتل على ضفة النهر
تشير البيانات إلى أن عملية القتل الأولى بدأت على ضفة النهر في الجزء الشمالي من مجمع القصور الرئاسية، وتحديداً قرب مركز الشرطة الواقع قرب الجسر في وقت مبكر من ظهر يوم 12 حزيران 2014 (1) ، وقد أفاد عدد من أفراد المعسكر الذين نقلوا إلى مواقع أخرى في الجانب الشمالي من المجمع أنهم سمعوا أصوات الطلقات الأولى قادمة من اتجاه ضفة النهر أسفل الجسر؛ مما يشكل مؤشراً زمنياً ومكانياً على بدء التنفيذ في هذا الموضع واستمرت عمليات القتل في هذا الموقع حتى وقت متأخر، واستئنافها في اليوم التالي؛ إذ يظهر من خلال التسجيلات المصورة ركون عدد من المركبات عند مدخل المجمع، إذ تمركزت تحت الجسر وعلى الطريق الواقع إلى اليمين في القسم الشمالي.
يظهر أن الإرهابيين احتجزوا الضحايا داخل المركبات لمدة مؤقتة إلى حين صدور القرار النهائي بشأنهم، وقد أفاد أحد أفراد الشرطة من سكان تكريت، كان محتجزا، بأنه شاهد شاحنات مكتظة بمئات الأشخاص مصطفة على الطريق نفسه، وكان المحتجزون بداخلها في حالة اكتظاظ شديد، مكدسين بعضهم فوق بعض، ثم أُنزل المحتجزون من المركبات واقتيدوا باتجاه مركز الشرطة عند النهر أسفل الجسر؛ إذ أجبروا على السير في صف مستقيم، واضعين أيديهم على ظهور من يتقدمهم، وعند وصولهم إلى ضفة النهر، أجبروا على الركوع عند حافة الرصيف المقابل للماء والإمساك بالسياق السلكي، وقد جرى توثيق هذه المراحل بواسطة فريق تصوير تابع للإرهابيين، ونشرت لاحقاً، وتفيد شهادات الناجين أن المحتجزين، وهم في وضع الركوع قبالة النهر، كانوا يتوسلون لإبقائهم على قيد الحياة(2).
لماذا تم اختيار النهر وسيلة للتخلص من الجثث؟
لم يكن إلقاء جثث الضحايا في النهر فعلاً عشوائياً، بل كان جزءاً من استراتيجية مدروسة تهدف إلى تحقيق أهداف نفسية وعسكرية واجتماعية تتجاوز مجرد عملية القتل:
- محو الأثر وإخفاء الجريمة: التخلص من الجثث في النهر هو محاولة تقنية لإخفاء أدلة الجريمة؛ مما يصعّب من عمليات البحث والتعرف على الهوية، ويترك عوائل الضحايا في حالة الحيرة والضياع.
- استعراض القوة والسيطرة: إن تحويل النهر إلى مقبرة جماعية هو رسالة ترهيبية، فالإرهاب كان يريد إيصال رسالة مفادها أنه يمتلك السيطرة المطلقة على البيئة والموارد.
- إهانة حرمة الموت: يعدّ تكريم الميت بالدفن واجباً شرعياً وأخلاقياً في الشريعة الإسلامية؛ لذا فإن إلقاء الجثث في النهر هو كسر لهذه المحرمات، وهو تكتيك يهدف إلى تحطيم الروح المعنوية للأهالي من خلال إشعارهم بأن أحباءهم لم ينالوا الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية حتى بعد وفاتهم.
الآثار النفسية لعوائل الضحايا
إن فقدان عائلة الضحية لوجود قبر لفقيدها بسبب رميه في النهر يشكل صدمة مضاعفة ومستمرة، وهي حالة نفسية تختلف عن الفقدان الطبيعي، ففي حالة عدم وجود أثر للضحية لا يستطيع الإنسان إغلاق ملف الفاجعة؛ لأن وجود القبر يمنح ذوي الضحايا مساحة لتفريغ انفعالاتهم وأحزانهم، ويوفر شعوراً ولاسيما لدى الأمهات للتواصل الوهمي مع الفقيد؛ مما يعطي النفس سكينة وهدوءاً، فضلاً عما تقدم فإن وجود النهر مكاناً للجريمة واختفاء الجثة يسهم في التذكر الدائم؛ لأن مجرد النظر إلى النهر يعيد شريط الجريمة بوضوح أمام ذوي الضحايا.
تأسيساً على ما تقدم يلحظ أن هناك العديد من الآثار النفسية التي طالت عوائل ضحايا مجزرة سبايكر بشكل عام وتحديداً عوائل الذين ألقوا في النهر، ولم يتم العثور على جثثهم، فهناك مظاهر الحزن الدائم، والقلق، والاكتئاب، والصدمة النفسية، والشعور بالوحدة والعزلة، الأمر الذي يشير إلى أن الجناة حاولوا بشكل متعمد تمديد عذاب الأهل، وتحويل رحيل الضحية إلى حدث مؤلم لا ينتهي (3).
الآثار الاجتماعية
شكلت مجزرة سبايكر التي وقعت في العراق عام 2014 واحدة من أكثر الأحداث المأساوية التي تركت بصمات واضحة في المجتمع العراقي، لما خلفته من عدد كبير من الضحايا وما رافقها من صدمة اجتماعية واسعة النطاق، فقد أظهرت هذه الحادثة في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية لأسر الضحايا الذين غيّب التيار أبنائهم؛ مما أدى إلى حدوث تغيرات في بنية الأسرة ووظائفها الاجتماعية، وكان للمجزرة آثار اقتصادية واضحة تمثلت في فقدان العديد من الأسر لمصادر دخلها الرئيسة نتيجة فقدان المعيل، الأمر الذي ظهر في زيادة الأعباء المعيشية وارتفاع مستويات الهشاشة الاقتصادية لدى بعض الأسر المتضررة، وانتشار ظاهرة عمالة الأطفال والتفكك الأسري والبطالة(4).
المصادر:
- الأمم المتحدة، فريق التحقيق الدولي (يونتياد) 2014.
- ورود كريم هاشم، الآثار الاجتماعية والنفسية لذوي ضحايا جريمة سبايكر، رسالة ماجستير، قسم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بابل، 2024.
- محسن عبد الباري بصيو، الابعاد المكانية لمجزرة سبايكر في العراق، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية الاداب،2026.
- اعترافات المشتركين بمجزرة عرس الدجيل:https://www.instagram.com/reel/DNirTQnscz-/
(1) الأمم المتحدة، فريق التحقيق الدولي (يونتياد) 2014.
(2) الأمم المتحدة، فريق التحقيق الدولي (يونتياد) 2014.
(3) للمزيد ينظر: ورود كريم هاشم، الاثار الاجتماعية والنفسية لذوي ضحايا جريمة سبايكر، رسالة ماجستير، قسم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بابل، 2024.
(4) محسن عبد الباري بصيو، الابعاد المكانية لمجزرة سبايكر في العراق، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2026.