banarlogo

ذكرى مجزرة نزلاء بادوش: واجب التوثيق ومسؤولية العدالة

مقالة دكتور عباس القريشي

د.عباس القريشي

في العاشر من حزيران من كل عام، تعود ذكرى مجزرة سجن بادوش لتذكّر العراقيين بإحدى أكثر الجرائم الجماعية فظاعة التي ارتكبتها عصابات داعش الإرهابية خلال اجتياحها لمحافظة نينوى عام 2014م، إنها ذكرى لا تستحضر الألم فحسب، بل تفرض مسؤولية أخلاقية ووطنية وقانونية تتمثل في حفظ الحقيقة، وصون ذاكرة الضحايا، ومواصلة السعي لتحقيق العدالة.
في العاشر من حزيران 2014، وبعد سيطرة كيان داعش الإرهابي على مدينة الموصل، اقتحم عناصر داعش سجن بادوش غربي المدينة، وقاموا بعزل مئات النزلاء على أسس طائفية ومذهبية، قبل أن ينفذوا عمليات القتل الجماعي بحقهم في جريمة منظمة استهدفت أفراداً عُزّلاً كانوا تحت الاحتجاز ولا يملكون أي وسيلة للدفاع عن أنفسهم.
 وقد أسفرت المجزرة عن استشهاد مئات الضحايا، فيما ما زالت بعض تفاصيلها وملفات ضحاياها بحاجة إلى المزيد من البحث والتوثيق والكشف.
وقد مثّلت مجزرة بادوش نموذجاً صارخاً للانتهاكات الجسيمة التي ترتقي، وفق المعايير القانونية الدولية، إلى جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، لما انطوت عليه من قتل جماعي متعمد واستهداف لأشخاص محميين كانوا خارج دائرة القتال وتحت سلطة الجهة المسيطرة على السجن.
ولم يكن الضحايا أرقاماً في سجل الأحداث، بل كانوا آباءً وأبناءً وأفراداً لهم عائلات وأحلام ومستقبل سلبته يد التطرّف والكراهية.
ومن هنا تبرز أهمية التوثيق بوصفه واجباً وطنياً لا يقل أهمية عن أي جهد قضائي أو قانوني. فالتوثيق المهني للجرائم لا يهدف إلى تسجيل الوقائع فحسب، بل إلى بناء ذاكرة وطنية قائمة على الأدلة والحقائق، وحماية التاريخ من النسيان أو التشويه أو الإنكار، إن كل شهادة ناجٍ، وكل إفادة لأحد ذوي الضحايا، وكل وثيقة أو صورة أو دليل يتم حفظه وفق المعايير العلمية، يشكل جزءاً من الحقيقة التي يجب أن تبقى حاضرة في الوعي الجمعي للأجيال القادمة.
وأثبتت التجارب الدولية أن العدالة تبدأ من التوثيق، فلا يمكن ملاحقة الجناة أو إثبات المسؤوليات الجنائية أو إنصاف الضحايا دون وجود سجل موثق يحفظ الأدلة ويصونها؛ ولهذا فإن الجهود التي تبذلها المؤسسات الوطنية المختصة في توثيق جرائم الإرهاب تمثل ركيزة أساسية في مسار العدالة الانتقالية، وتسهم في دعم الجهود القضائية الرامية إلى محاسبة مرتكبي الجرائم وعدم إفلاتهم من العقاب.
وفي ذكرى مجزرة بادوش، لا يقتصر الوفاء للضحايا على إقامة الفعاليات أو استذكار المأساة، بل يتجسد في مواصلة العمل لكشف الحقائق كافة، وتحديد مصير المفقودين، وتوثيق أسماء الشهداء وسيرهم الإنسانية، وضمان وصول أصوات ذويهم إلى المحافل الوطنية والدولية، كما يتجسد في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف الذي كان السبب المباشر في وقوع هذه الجرائم.
إن مجزرة بادوش ليست حدثاً عابراً في تاريخ العراق المعاصر، بل صفحة دامية تذكّر العالم بما يمكن أن تفعله الأيديولوجيات المتطرفة حين تتجرد من كل القيم الإنسانية؛ ولذلك فإن مسؤولية حفظ الذاكرة وملاحقة الحقيقة وتحقيق العدالة تبقى مسؤولية مستمرة لا تنتهي بمرور الزمن.
ستبقى أسماء ضحايا بادوش حاضرة في الضمير الوطني، وسيبقى توثيق قصتهم واجباً أخلاقياً وتاريخياً، حتى تنال الحقيقة حقها، وتتحقق العدالة لضحايا واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العراق في تاريخه الحديث.