banarlogo

سبع سنوات تحت المراقبة: كيف لاحقت الأجهزة الأمنية طالبة عراقية من المتوسطة إلى الإعدادية (1972–1979)؟

د.محمد جبار الكَريزي

   تكشف هذه الوثائق الصادرة عن مديرية الأمن العامة في العراق (القيود السرية)، عن نموذج صادم لطبيعة التوسع الأمني الذي مارسه النظام البائد تجاه المواطنين، حتى شمل طالبات في مراحل دراسية مبكرة، فالوثائق تشير إلى متابعة الطالبة (س)، من أهالي بغداد في الصف الثاني المتوسط في مدرسة الحكمة بمنطقة الشالجية، خلال مدة استمرت من عام 1972، مع استمرار الإشارات الأمنية المرتبطة بها حتى عام 1979.
بداية الرصد الأمني – عام 1972
تُظهر الوثيقة الأمنية المؤرخة عام 1972 أن اسم الطالبة ورد ضمن ما يسمى بـ(النشاط اليساري)، مع توصيفات سياسية وأمنية لا تنسجم مع عمرها الدراسي ولا مع طبيعة البيئة التعليمية المفترضة، وقد تضمّنت الوثيقة طلب معلومات عن:
  • محل سكنها.
  • انتماءات عائلية مزعومة.
  • توصيفات ذات طابع سياسي وأمني.
  • توصية بمتابعة تحركاتها ونشاطها.
عام 1974
توضح الوثائق اللاحقة أن المتابعة لم تكن حادثة عابرة، بل استمرت لسنوات طويلة، إذ أُعيد تداول اسم الطالبة في مراسلات أمنية متعددة، مع تحديث المعلومات الخاصة بها وبعائلتها ومحيطها الاجتماعي، هذا الامتداد الزمني للمراقبة يكشف أن الأجهزة الأمنية لم تكن تعتمد على مبدأ الاشتباه المؤقت، بل على صناعة (ملف أمني دائم) يرافق الفرد منذ طفولته وحتى مراحل لاحقة من حياته.
وتظهر الوثائق طبيعة النظام الأمني القائم آنذاك، الذي كان ينظر إلى الانتماء العائلي أو البيئة الاجتماعية بوصفها مؤشرات اتهام مسبق، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة الفردية.
عام 1979
تكشف الوثائق أن المتابعة الأمنية للطالبة (س) من أهالي بغداد-الشالجية، لم تكن إجراءً عابراً أو تحقيقاً مؤقتاً مرتبطاً بواقعة محددة، بل امتدت على مدى سبع سنوات متواصلة، بدأت وهي طالبة في الصف الثاني المتوسط عام 1972، واستمرت حتى عام 1979 بعد إكمالها المرحلة الإعدادية، وتُظهر المراسلات والاستفسارات والتحقيقات المتعاقبة أن الأجهزة الأمنية أبقت اسمها ضمن دائرة الرصد والمتابعة خلال كامل مسيرتها الدراسية تقريباً.

وتكمن خطورة هذه الوثائق في أن مديرية الأمن العامة لم تتعامل مع الطالبة بوصفها قاصراً تتمتع بحق التعليم والحماية والخصوصية، بل بوصفها موضوعاً أمنياً يستوجب فتح ملف دائم وجمع معلومات مستمرة عن سكنها وعائلتها وعلاقاتها ونشاطها وميولها السياسية المفترضةـ، ومن ثم فإن الملف لا يوثق حادثة منفردة، بل يوثق نمطاً من المراقبة الأمنية الممتدة التي رافقت مرحلة الطفولة والمراهقة والانتقال من الدراسة المتوسطة إلى الإعدادية.
وإذا كانت المتابعة الأمنية في الأنظمة القانونية ترتبط عادة بوقائع محددة وأدلة ملموسة ولفترات زمنية معقولة، فإن ما تكشفه هذه الوثائق هو استمرار الرصد لسنوات طويلة دون ظهور أفعال جرمية واضحة في الوثائق المعروضة، الأمر الذي يجعلها شاهداً على تغوّل الأجهزة الأمنية في الحياة الخاصة للأفراد وتحويل حقبة الدراسة إلى مساحة للمراقبة والاشتباه.
عام 2026
يكشف المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف في النجف الأشرف، هذه الوثائق إلى الرأي العام بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية العراقية (ذاكرة الألم)، إن عرض هذه الوثائق لا يهدف إلى استعادة الماضي فحسب، بل إلى توثيق ذاكرة الانتهاكات التي طالت حتى الطلبة والقاصرين، وترسيخ الوعي بأهمية حماية الحقوق والحريات العامة، فهذه الوثائق تمثل تحذيراً أخلاقياً وقانونياً من عودة الدولة الأمنية بصيغ جديدة، وتؤكد أن صون الكرامة الإنسانية والخصوصية وسيادة القانون هو الضمان الحقيقي لعدم تكرار مثل هذه المأساة.
الانتهاكات وفق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
يشكل هذا النوع من الملاحقة الأمنية انتهاكاً واضحاً لعدد من المبادئ التي نصّ عليها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومن أبرزها:
  1. انتهاك الحق في الخصوصية، إذ تنص المادة (17) من العهد الدولي على أنه: (لا يجوز تعريض أي شخص، على نحو تعسفي أو غير قانوني، لتدخل في خصوصياته أو شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته)، بينما تكشف الوثائق عن: (جمع معلومات شخصية وعائلية، مراقبة اجتماعية، تتبع مستمر لطالبة قاصر، دون وجود أساس قضائي معلن أو جريمة مثبتة.
  2. انتهاك حرية الفكر والرأي، تنص المادة (19) على حماية حرية الرأي والتعبير، بينما تُظهر الوثائق أن مجرد الاشتباه الفكري أو الانتماء المفترض كان كافياً لفتح ملف أمني ومتابعة طويلة الأمد.
  3. انتهاك مبدأ عدم التمييز، تنص المادة (26) على المساواة أمام القانون وعدم التمييز، إلا أن الوثائق تظهر ملاحقة مبنية على الخلفية الفكرية أو العائلية، وليس على أفعال جنائية مثبتة.
  4. انتهاك حقوق الطفل والحق في التعليم الآمن، ورغم أن اتفاقية حقوق الطفل جاءت لاحقاً، فإن المبادئ الإنسانية العامة كانت تقتضي حماية البيئة التعليمية من عسكرة الأمن وتسييس الطفولة، لا تحويل الطلبة إلى أهداف للرصد والمراقبة.
دلالة الوثائق تاريخياً وإنسانياً
لا تكمن أهمية هذه الوثائق في بعدها الأمني فقط، بل في بعدها الإنساني والتاريخي؛ فهي تكشف كيف استطاعت الدولة الأمنية أن تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العراقي، حتى داخل المدارس وصفوف الدراسة.
إن متابعة طالبة في الثاني المتوسط لسنوات طويلة تكشف حجم الخوف الذي حكم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتُظهر كيف تحولت الأجهزة الأمنية من أدوات لحماية الدولة إلى أدوات لمراقبة المجتمع وإعادة تشكيله بالخوف والولاء القسري.
ولهذا فإن حفظ هذه الوثائق وعرضها لا يمثل استعادة للماضي فحسب، بل هو توثيق لذاكرة الانتهاكات، وتحذير أخلاقي وقانوني من عودة الدولة الأمنية بصيغ جديدة.